منتدى الصحافة والإعلام
أهلاً وسهلاً بك في منتدى الصحافة والإعلام

المحاضرة التاسعة - ساطع الحصري

اذهب الى الأسفل

المحاضرة التاسعة - ساطع الحصري

مُساهمة من طرف المعلم في 23/9/2013, 9:34 pm

أبوخلدون ساطع الحُصْري مفكر سوري وأحد مؤسسي الفكر القومي العربي، وهو أحد الدعاة والمصلحين القوميين الذين زخر بهم المشرق العربي ممن تبنوا الدعوة إلى القومية العربية أمثال عبد الرحمن الكواكبي وشكيب أرسلان في أواخر القرن التاسع عشر، وزكي الأرسوزي ومحمد عزة دروزة في أوائل القرن العشرين.
محتويات
• 1 نشأته
• 2 مؤلفاته
• 3 دفاعه عن عروبة مصر
• 4 مواجهاته ضد دعاة الإقليمية
• 5 الحصري بين الوحدة العربية والوحدة الإسلامية
• 6 وفاته
• 7 المصادر والمراجع
نشأته
اسمه ساطع بن محمد هلال الحصري، ولد في صنعاء باليمن في 17 شعبان 1296 هـ/ 5 آب 1879م، وكان أبوه موظفا فيها، ثم درس في المدارس التركية وتخرج فيها ونال عدة وظائف تعليمية وإدارية، وكان مديراً لدار المعلمين في إستانبول، ثم عين محافظاً لبعض الولايات في البلقان، وكانت نزعته طورانية تركية بحتة، وعمل مع جمعية الإتحاد والترقي، وقد نشر عدة مقالات في الدعوة إلى الطورانية والتتريك في مجلة (تورك أوجاني) بتوقيع: م ساطع، أي مصطفى ساطع، ثم انقلب بين عشية وضحاها ليصبح رائداً من رواد القومية العربية وكانت في لغته رطانة. وشغل عدة مناصب في بلاط السلطان عبد الحميد الثاني حتى سقوط دولة الخلافة العثمانية ثم رحل إلى دمشق عام 1919.
تولى في دمشق منصب وزير التعليم وعمل على وضع مناهج التعليم العربية وكانت له علاقات مع كبار المفكرين والعلماء في سوريا إلى أن خلع الملك فيصل الأول عام 1920.
في هذه الفترة أبعد ساطع الحصري بعض علماء الدين عن التدريس فكان منهم الشيخ أبو السعود بن ضيف الله مراد فغضب الشيخ أبو السعود غضباً شديداً وهجاهُ ببيتين من الشعر قائلا:

ساطع اظلم لما وسد الامر اليه
خسف الدين بجهل لعنة الله عليه
وعندما وقع البيتان بيد الحصري أغرق بالضحك وأحتفظ بالبيتين وجعل يرددهما على مسامع رواده وأصدقاءه. ثم ولي الملك فيصل الأول على عرش العراق وجاء معه ساطع الحصري، وعينه معاوناً لوزير المعارف ثم مديراً للآثار وتولى إدارة دار المعلمين العالية في بغداد، وكان الحصري علمانياً فلم يبد اهتماما بدروس الدين في المناهج المدرسية، بل جعل درس الدين لا قيمة له، وكتابه (القراءة الخلدونية) للصف الأول الابتدائي لا تجد فيه كلمات عن (الله، الرسول، كعبة، قرآن، قبلة، صلاة) وغير ذلك من الألفاظ الإسلامية، وفي سنة 1923م أحتج المعلمون في بغداد على سلوك الحصري وقدموا مذكرة للملك فيصل الأول، ثم نشروا كراساً بعنوان "سر تأخر المعارف"، ولكن الملك كان يلزم وزارة المعارف بأوامر ساطع الحصري ولم يهتم بآرائهم.
ثم اشتدت الخصومة بين الحصري وفهمي المدرس وقد وقف الحصري ضد جامعة آل البيت وكتب المدرس عدة مقالات حول مسألة الجامعة، ولكن بقي الحصري مسؤولاً عن التعليم في العراق وعلى تطوير مناهج التعليم فيها، وظل يدعو إلى فكرة القومية العربية إلى أن قامت ثورة رشيد عالي الكيلاني عام 1941م.
وإثر قيام ثورة رشيد عالي الكيلاني قام الإنجليز بنفي ساطع الحصري إلى حلب فتسلل منها إلى بيروت حتى عاد مرة أخرى إلى دمشق عام 1944 حيث قامت الحكومة السورية المستقلة بتكليفه للعمل كمستشار لصياغة النظام التربوي والتعليمي في البلاد واهتم بالفكر القومي وبتطوير مناهج التعليم. عين مديراً لمعهد البحوث والدراسات العربية في القاهرة عام 1953م.
مؤلفاته
أصدر (حوليات الثقافة العربية) في ستة مجلّدات وأصدر كتبه التي تردُّ على دعاة الإقليمية والنعرات الطائفية وتدافع عن القومية العربية وأتسعت مؤلفاته التي تتناول الدعوة إلى فكرة القومية العربية إلى أكثر من عشرين مؤلفاً من أهمها:
• حول القومية العربية.
• آراء وأحاديث في القومية العربية 1944.
• آراء وأحاديث في الوطنية القومية 1951.
• دفاع عن العروبة.
• يوم ميسلون.
• العروبة أولاً.
• دراسات في مقدمة ابن خلدون (في جزئين)
• البلاد العربية والدولة العثمانية
• آراء وأحاديث في التاريخ والاجتماع
• صفحات من الماضي القريب
• آراء وأحاديث في العلم والأخلاق والثقافة
• أبحاث مختارة في القومية العربية
• هوية الثقافة العربية
• محاضرات نشوء الفكرة القومية
• آراء وأحاديث في التربية والتعليم
• العروبة بين دعاتها ومعارضيها
دفاعه عن عروبة مصر
تعددت مناظراته الفكرية ومجادلاته للدفاع عن القومية العربية، ففي مواجهة دعاة فكرة الإقليمية في مصر، أرجع الحصري تجاهل مصر الاستجابة لقضية القومية العربية قبل الثورة لعاملين:
• الأول: هو حالة العزلة التي أحدثها الاحتلال البريطاني.
• الآخر: إلى ارتباط بعض النخب في مصر بروابط وولاءات تتنافى مع الروح القومية.
وقد أهتم الحصري بالرد على محاولات بعض المفكرين المصريين صياغة هوية ثقافية مصرية خاصة تستند إلى التراث الفرعوني، حيث أعترض على حجج الدكتور طه حسين التي جاءت في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" طابعها وطباعها، وأنها في نفس الوقت تحتفظ بهويه خاصة فرعونية الجوهر. واستنكر الحصري فكرة فرعونية مصر معللاً ذلك بأنه إذا كانت المشاعر الفرعونية تتأصل في وجدان المصريين فإنه يجب معه أن تستعيد لغة الفراعنة وحضارتهم، وأن مصر لايمكن أن تنبذ العروبة الحية تحت دعوى الانتماء إلى حضارة ميتة.أما فيما يتعلق بدعوى الانتماء لإنجلترا فقد دحض تلك الدعوى بتأكيده على أن مايشد ويربط مصر بدول عربية أقوى ممايربطها بدول البحر الأبيض المتوسط.
مواجهاته ضد دعاة الإقليمية
واجه الحصري دعاة الإقليمية في سوريا الكبرى والمشرق العربي وأبرزهم أنطون سعادة مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي كان ينفي وجود رابط قومي بين سوريا وغيرها من الأقطار العربية التي يصفها بالبداوة على عكس الأقطار السورية في الهلال الخصيب (سوريا ولبنان وفلسطين والعراق والأردن) مركزاً على الرباط الجغرافي للهلال الخصيب لتمييزه عن الأقطار العربية الأخرى. فهكذا نجد الحصري يرفض الرباط الجغرافي فقط كأساس للقومية، ويرفض أيضاً التسليم بوجود سمات ومميزات للسوريين (سكان الهلال الخصيب) تختلف عن تلك التي تتسم بها الشعوب الأخرى الناطقة بالعربية، بل أن الحصري كان ينفي تماماً وجود ما يعرف بالإقليم السوري (سورية الكبرى) بمعناه الإداري الحديث حتى عام 1943.
ويقدِّم الحصْري وحدة اللغة على سائر عوامل الرابطة القومية . ويرى أنَّ الثقافة القائمة على اللغة تؤكد تشابه التكوين النفسي ويعتبره أساس الأمة . فيقول لطه حسين " اضمنوا لي وحدة الثقافة وأنا أضمن لكم كلَّ ما بقي من ضروب الوحدة " . وفرَّق بين الثقافة التي اعتبرها قومية وبين الحضارة التي اعتبرها أمميَّة . وتكلَّم عمَّا يدعى ويسمى ( العبودية الثقافية ) و( السيطرة الثقافية) التي تمارسها بلدان الغرب الإمبريالية ويراها تشكل خطراً على الثقافة القومية والوجود القومي العربي . وحذِّر من مخلَّفات السيطرة الاستعمارية الغربية التي تروِّج للتيارات والنـزعات الإقليمية .. وبالمقابل يؤكد الحصْري على شعبية الثقافة ويعتبرها الأساس في تكوين نفوس الشعب ولا يقصد بذلك التقليد بل البعث والنهوض . وهذا ما دعاه إلى رسم سياسة لغوية صحيحة في معركة النضال من أجل الوحدة العربية ، فأبرز أهمية إصلاح اللغة والتعمّق في معرفة الفصحى في مدارس البلدان العربية .
ودافع عن قومية الأدب أمام المنادين بإقليمية الأدب فخاطب أحمد ضيف : " إنَّ الأدب العربي لم يكن أدباً واحداً . وإنما هو مجموعة آداب ، نشأت في بيئات مختلفة " ويستشهد بالمتنبي الذي ولد في الكوفه ونشأ في البادية وعاش في بغداد وحلب وسافر إلى القاهرة ، ومع ذلك حافظ على أصالته وصفته الموحّدة . وإنَّ الأدب حافظ على صفته الموحَّدة والموحِّدة حتى في أسوأ عصور تفكك الدول العربية وتفتُّت شعوبها . فيرى الحصري أن " التنوّع والأصالة شيء وإقليمية الأدب شيء آخر . فلا يوجد أدب مصري وأدب عراقي أو شامي أو تونسيٌّ … وإنما يوجد أدباء مصريون ، عراقيون ، شاميون ، وكلُّهم يسعون لتطوير الأدب وإبراز أصالته .. "
وفي سبيل تكوين ثقافة عربية معاصرة يجدُ الحصْري التنوير أنجعَ أداة . ولا يقتصر التنوير عنده على التعليم المدرسي والتحصيل الجامعي بل يتعدّاه إلى تأثير المفكرين والإيديولوجيين من حملة الأفكار القومية والوطنية النيّرة . وهذا ما جعله يعتبر وحدة الثقافة مقدِّمة هامة وأساسيّة للوحدة السياسية . وهذا يستدعي إصلاح وتوحيد أنظمة التربية والتعليم في البلدان العربية وقد ساهم واهتمَّ بهذا الدور التنويريِّ الهام فاعتبرَ المدرسةَ مهمَّتُها إعدادُ الجمهور لتقبُّلِ الأفكار الجديدة وجعل الجيل الجديد عاملاً في إعداد مجتمع راق ، ولذلك دعا إلى الإبداع الخلاق وزرعه في نفوس الناشئة دون إلغاء الأصالة .
لم يقض الحصْري عمرَه المديد وراء المكاتب وفي برجه بل كان مثالاً للباحث والمجرِّب والدارس الملتزم . يحاضر ويناقش ويطوِّر آراءه ونظراته ، ولم يغلق نوافذ ثقافته وتفكيره على ثقافة دون ثقافة بل أقاد كثيراً من نظريات تكوين الأمم تحديداً النظرية الألمانية والفرنسية . فقال الدكتور محمد أحمد خلف الله : " لقد كان ساطع الحصري يصدر عن العقيدة القومية في كلِّ أعمالِهِ التعليمية . كما دفعه ذلك إلى أن يسلك وسيلة خاصة مع المدارس التي ينشئها غيرُ العرب في العراق . فكان ينشئ إلى جانب كلِّ مدرسة إيرانية مدرسة عربية "
ويشيد المؤرِّخ المصري محمد عبد الرحمن برج بدور الحصْري فقال عنه في كتابه ( ساطع الحصري) : " كان ساطع على رأس الرعيل الأول الذي دعا إلى القومية العربية وإلى تجسيد هذه القومية في وقت كانت فيه شخصيةُ الأمة العربية قد ذابت في شخصيات أخرى . واتجّه أبناؤها اتجاهات شتىّ .. "
ويقول " الباحثون الغربيون ركزوا على الجذور الفلسفية لأفكار الحصْري ، ويعتبرونها نقلاً مباشراً لما كان رائجاً في أوروبا بالقرن التاسع عشر . ويتجاهلون عداءَه للإمبريالية وهي سمة من سمات مؤلفاته .. "
الحصري بين الوحدة العربية والوحدة الإسلامية
على عكس عبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده ورشيد رضا، نجد الحصري يتبنى دعوته من منطلق علماني استناداً إلى اللغة والتاريخ متجاهلاً الرابط الديني أو الإسلامي متبنياً أن فكرة القومية العربية نشأت عند المفكرين المسيحيين قبل المسلمين، وأن المسيحيين ساهموا في بناء الحضارة العربية قبل وبعد الإسلام.
وفي مواجهة تصور البعض للقومية العربية على أنها تتنافى مع الإسلام أو الذين يروا في القومية نوع من عودة إلى عصبية قد نهى الإسلام عنها أو أولئك الذين ينادون بالوحدة الإسلامية بدلاً من الوحدة العربية نجد الحصري يرى أنه برغم أن فكرة الوحدة الإسلامية تعد أوسع وأشمل من مفهوم الوحدة العربية إلا أنه ليس بالإمكان المناداة بالوحدة الإسلامية قبل المناداة بالوحدة العربية، لذلك نجده يؤكد أن من يعارض الوحدة العربية هو في الحقيقة معارض للوحدة الإسلامية أيضاً.
بعض أقواله وآرائه :
يقول (( إنَّ الدعوات الإقليمية الانعزالية تعوق رصّ الدول العربية في جبهة موحَّدة معادية للإمبريالية )) ويقول في مقدِّمة كتابه (( العروبة أوّلاً )) : (( إنّي أعتقد أنَّ أوَّلَ ما يجب عمله لتحقيق الوحدة العربية في الأحوال الحاضرة ، وهو إيقاظ الشعور بالقومية ، وبثّ الإيمان بوحدة هذه الأمة )) .
ويقول أيضاً : (( إنَّنا ثُرْنا على الإنكليز ، ثُرْنا على الفرنسيين ، ثرنا على الذين استولوا على بلادنا ، وحاولوا استعبادنا .. وقاسينا في هذا السبيل ألواناً من العذاب ، وتكبَّدْنا أنواعاً من الخسائر ، وضَحَّيْنا كثيراً من الأرواح .. ولكن عندما تحرَّرْنا من نير هؤلاء أخذنا نستقدس الحدود التي أقاموها في بلادنا بعد أن قطعوا أوصالها … ))
يُلمِحُّ في مقالاته على كشف نوايا الإمبريالية ودورها في التجزئة (( إنَّ الدول العربية القائمة الآن لم تتكوّن ، ولم تتعدَّد بمشيئتها ومشيئة أهلها ، ولا بمقتضيات طبيعتها ، إنّما تكوَّنَتْ وتعدَّدت من جراء الاتفاقات والمعاهدات المعقودة بين الدول التي تقاسمت البلاد العربية وسيطرت عليها …))
ويتعمَّق في طرحِ أفكارِه محلِّلاً ماهية الوحدة العربية : فيقول : (( ويخطئ من يظنُّ بأنَّ قضايا الوحدة العربية يمكنُ أنْ تدرَّس وتعالج بأعمال حسابية ، ولْنعلَمِ العلم اليقين بأنّ (( الاتحاد يولّد قوّة )) ليس عن طريق جمعِ القوى . فحسب . بل عن طريق إيجاد حياة جديدة ، وأوضاع جديدة تولّد قوى جديدة ، تفوق مجموع القوى المتفرِّقة بآلاف الدرجات …)) وحول علاقة الفكر القومي بالدين ، وما تعرَّض له من ردود ونقاشات يبيّن الحصْري وجهة نظره في فصل الدين وعدم اعتباره من مقوِّمات القومية . (( إن التفكير في بعض الأمورِ مستقلاً عن الدين ، لا يعني إنكار الدين ، إنَّما يعني اعتبار تلك الأمور مما لا يدخل في نطاق الأمور الدينية . وذلك لا يحول دون الرجوعِ إلى الدين في سائر الميادين . ولذلك كلِّه . قلت ولا أزال أقول : إنَّ نَعْتَ القومية باللادينية والقوميين باللادينيين . لا يتفق مع حقائق الأمور بوجه من الوجوه … ))
هذه الآراء والأفكار وضعته في مواجهة فكرية مع أنصار الرابطة الإسلامية .. فتصدى لهم عن طريق الحوار فنفى كون الدين عاملاً من عوامل تكوين الأمة العربية ، وأنكر دوره في تشكّل الفكرة القومية العربية . وحذَّر من اعتبار الدين عاملاً أساسياً رغم أنه يراعي تأثير الإسلام على الجماهير العربية العريضة . ويؤكّد الحصري أن الموقف الذي يقفه دعاة الرابطة الإسلامية حيال الوحدة العربية يجعلهم في مواقع العداء لمصالح الأمة العربية . فهم بنفيهم العصبة الجنسية وبتأييدهم للعصبة الدينية يسهمون في تعميق النـزاع بين المسلمين والمسيحيين وغيرهم من الطوائف فيقول : (( كيف يمكن لأحد أن يأمل بتكوين وحدة من البلاد الإسلامية التي تتكّلم بلغات مختلفة . دون تكوين وحدة من البلاد التي تتكلّم بلغة واحدة ، ولا سيما التي تتكلم بلغة القرآن .. ) )
إنَّ اهتمام الحصْري بالقضايا المصيرية كان يدفعه إلى الحوارات والكتابة والإدلاء بآرائه . وقد تناثرت آراؤه القيمة في كتبه ومساجلاته ومحاضراته وهي ذات قيمة. فاعتبر الجامعة العربية خطوة بالغة الأهمية ،وهي سبيل إلى التلاحم القومي وبعث الوعي القومي الذي اعتبره سبيلاً إلى التلاحم في حال توفر الأسس الموضوعية لها . ويخرج بنا إلى آراء تحتاج إلى وقفة متأنية فيقول : (( إن الجامعة قد ألحقت الضرر بالقومية العربية بدلاً من أن تعمل لخيرها . قوبلت في البداية بحماسة شديدة ، لكن الوقائع خيَّبت آمال الكثيرين ويرى أيضاً : من الخطأ المطابقة بين جامعة الدول العربية وبين المسيرة الوحدوية القومية . ويؤكد على كونها جامعة للدول العربية لا جامعة عربية والأخيرة لا تزال بمثابة المثل الأعلى الذي تصبو إليه النفوس المدركةُ معنى العروبة ))
وفاته
وفي سنة 1965م، عاد إلى العراق وتوفي في بغداد في 4 شوال 1388 هـ/ 23 ديسمبر/كانون الأول 1968م، وصلى على جنازته الحاج معتوق الأعظمي في جامع أبو حنيفة، ودفن في مقبرة الخيزران، في الأعظمية، قرب مرقد الشيخ رضا الواعظ.
وكرَّمته جامعة الدول العربية بعد وفاته وخصَّصت أسبوعاً لدراسة فكره ورؤيته تقديراً لدوره القومي والتربوي .
المصادر والمراجع
• أعيان الزمان وجيران النعمان في مقبرة الخيزران - وليد الأعظمي - بغداد - مكتبة الرقيم - 2001م - صفحة 211.
• الدليل العراقي الرسمي - بغداد - مطبعة دنكور - 1936م - صفحة 889.
• مقالات فهمي المدرس الناقدة لمنهج الحصري في المجلات والجرائد العراقية.
• من النيل إلى الفرات..مصر وسوريا وتحديات الصراع العربي الإسرائيلي - جمال سلامة علي - الناشر دار النهضة العربية - 2003 - من ص 25 : ص 27.

المعلم
Admin
Admin

عدد المساهمات : 456
تاريخ التسجيل : 29/01/2008
العمر : 59

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mass-media.5forum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: المحاضرة التاسعة - ساطع الحصري

مُساهمة من طرف المعلم في 23/9/2013, 9:34 pm

المفكر ساطع الحصري آراء وأقوال
آذار 10 2011


كتب بواسطة: محمود محمد أسد
المجموعة الأم: مقالات
المجموعة: فكر وفلسفة
الزيارات: 2701
ما بين عام 1882و عام 1968 سنوات مديدة وأحداث كبيرة ، وتطوَّرات متلاحقة عاشها ساطع الحصْري المكنّى بـ // أبو خلدون //

عمرٌ حافلٌ بالتنقلات وغنيٌّ بالتجارب والعطاء ومثيرٌ للتساؤلات .. فقد شهد الكثيرَ من الأحداث السياسية التي عصفت بالدولة العثمانية والأمة العربية . كسقوط الدولة العثمانية والحربين العالميتين الأولى والثانية ونكبة فلسطين ونكسة حزيران . إضافة للتغيُّرات الدولية والمعاهدات والاتفاقيات التي قسّمت الدول العربية كوعد بلفور واتفاقية سيكس بيكو ، وقبلها الصراع بين تياري الرابطة العثمانية والجامعة الإسلامية .. وتضاف إلى ذلك تنقُّلاتُه بين أضنة واستانبول وصنعاء وطرابلس الغرب مع والده الذي عمل في القضاء بعد دراسته في الأزهر .. وبعد هذا سفرُهُ إلى أوروبا وإقامته في إيطاليا عندما اصطحبه الأمير فيصل قبل أن يصبح ملكاً على العراق .. وفي أوروبا اطّلَعَ على الكثير من الآراء التربوية من جهة ونظريات تكوين الأمم من جهة أخرى وهذا ما دفعه للبحث والكتابة والحوارات والتأليف .

ولد فيلسوف القومية العربية في اليمن من والدٍ متعلِّمٍ درسَ في الأزهر ومارس القضاء في الباب ودير الزور وحماه ثم عيِّن رئيساً لمحكمة الاستئناف في اليمن . ومن أقرانه وزملائه في الدراسة الوطني (( إحسان الجابري والمناضل الوطني سعد الله الجابري )) وعاشا معه في بيتٍ واحدٍ وهما ابنا خاله …

عمل ساطع الحصري في بداياته معلِّماً وأنهى حياته معلّماً بمعهد الدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية …

وبين بدايته في التعليم ونهايته مارس الكثيرَ من الوظائف المختلفة السياسية والتربوية . وتولى العديد من المناصب الوظيفية والحكومية حتى وصل إلى مرتبة وزير المعارف في فترة حكم فيصل 1918 – 1920 . في بداياته لم يلتحق بمدرسة ابتدائية معيّنة بسبب تنقل عمل والده . فقد تعلَّم من إخوته الكبار القراءة والكتابة باللغتين التركية والفرنسية، وقد أتقنهما إلى جانب اللغة العربية التي كان يتعثَّرُ بها ويتلكَّأ . وقد كان له ولع في الرياضيات وفي العلوم الإدارية والسياسية وكتبَ عدّة أبحاث ومقالات في هذه العلوم .

غادر اسطنبول وعمره تسع وثلاثون سنة . في دمشق انضمّ إلى دعاة القومية العربية ودعا إلى إصلاحات وتبنّى الأفكارَ التنويرية في المعاهد المخصّصة لإشاعة التفكير العصري . عانى كثيراً في مجال التعليم ، واصطدم بعراقيل كثيرة لأن العثمانيين اعتبروا المدارسَ مراكز للمعارضة الفكرية وهذا ما قاله (( هاشم باشا )) وزير المعارف في عهد السلطان عبد الحميد (( ما كان أحسنَ عملَ الوزارة لو لم تكن هناك مدارسُ أبدا )) أمضى خمس سنوات في التدريس حتَّى اقتنع بعقم جهوده التنويريّة . فقرَّرَ ترك سلك التدريس : وقد ألَّف في هذه الفترة عدَّة كتب مدرسية في المعلومات الزراعية ، ودروس الأحياء ، وعلم الحيوان ، وعلم النبات ، والتطبيقات الزراعية .. روَّج لنظريته التربوية على صفحاتِ مجلتين ترأَّس تحريرهما (( التدريسات الابتدائية )) و (( التربية )) ولم يتجاهلْ تأثُّره بأفكار العلماء الأوربيين أمثال (( لوتورتو ، سبنسر ، رينان ، .. ) ) وكان يحرص على انتقاء الأفضل والمتوافق مع الظروف المحيطة . في أوَّل الأمر سعى الحصْري لوضع أساس إيديولوجي للرابطة العثمانية . وركّز في محاضراته على تحديد مقوِّمات الوحدة العثمانية والرابطة المعنوية لها .

إنَّ إعدام الشهداء في السادس من أيار ومنهم صديقه (( عبد الكريم الخليل )) وكان مؤمناً بالدعوة العثمانية قد دفعه للتفكير القومي فغادر أرض تركيا بعد انتهاء الحرب وانضمَّ إلى الركب القومي وطرح شعاراً (( أنا عربيٌّ ولستُ عثمانياً )) وانضمَّ إلى العناصر القومية في دمشق وتحديداً في حزيران 1919 مع وجودِ تطوُّر في أفكاره القومية حيث اعتبر العروبة تيّاراً ليس دينيّاً ، وقويَ شأنه من خلال علاقته مع الأمير فيصل الذي عيّنَهُ مديراً عاماً للتعليم . وكان يسعى ويعمل على توجيه التعليم في المنحى القومي وهذا دفعه إلى قناعة صياغة نظرية قومية متكاملة .

آراؤه التربوية والقومية كانت تجد الصدى لدى الطلبة والدارسين المهتمين وتحديداً في دار المعلمين العليا ببغداد . وقد أسهم بشكل ملحوظٍ في تطوير الثقافة والتربية والتعليم في تركيا وسوريا والعراق ومصر …

قدَّم ساطع الحصري البراهينَ النظرية لإثبات وحدة الأمة العربية . وراجت نظريتُهُ وآراؤه في مرحلة حصول بلدان المنطقة على استقلالها السياسي . وتوافقت مع وعي المجتمع العربي لأنه يملك رؤية ، تلامس القوى الاجتماعية التي يتوجّه إليها ، ويعتبرها الركيزة الأساسية في توجُّهِهِ القومي . وإنَّ آراءَهُ في القضايا القومية والتربويَّة والثقافية أثَّرت على آراء الجيل اللاحق من المفكرين القوميين ، ولذلك يعتبر من كبار المفكرين والمصلحين العرب الذين أسَّسوا لهذا الفكر . كان ساطع الحصْري أوّل عربي يتولى أمر مديرية الآثار العراقية من تشرين الأول 1934 إلى آخر أيامه في العراق . وكرَّس أثناء إقامته في العراق العديد من المقالات والمسائل القومية التي تردُّ على معارضيه . وقد خرج من العراق مرغماً لأنَّهُ أغضب الإنكليز في العراق من جراء سياسته القومية . وفي الأردن عمل مستشاراً لوزارة المعارف . وعام 1944 دعته سوريا لوضع برنامج لإصلاح نظام التعليم ، فعمل مستشاراً فنيّاً لوزارة المعارف وقدّم / 16 / تقريراً عن حالة المعارف وسبل الإصلاح منها تعزيز التربوية القومية . وفي مصر وبعد الحرب العالمية الثانية كان منظراً للقومية العربية ، ودرّس في معهد التربية العالية ، وألقى محاضرات في التربية وعام 1948 عمل مستشاراً فنياً في الإدارة الثقافية التابعة لجامعة الدول العربية .

وأصدر (( حوليات الثقافة العربية )) في ستة مجلّدات وأصدر كتبه التي تردُّ على دعاة الإقليمية والنعرات الطائفية وتدافع عن القومية العربية .. وعاش في القاهرة في غرفة بسيطة في فندق (( لاقينواز )) ومن دخل كتبه الضئيل .

ترك ساطع الحصري الكثيرَ من المؤلفات والدراسات منها

1. 1. دراسات عن مقدمة ابن خلدون في جزأين

2. يوم ميسلون ، 3. صفحات من الماضي القريب ، 4. أصول التدريس ، 5. هوية الثقافة العربية ، 6. محاضرات نشوء الفكرة القومية ، 7. آراء وأحاديث في التربية والتعليم ، 8. آراء وأحاديث في الوطنية والقومية ، 9. آراء وأحاديث في العلم والأخلاق والثقافة ، 10. آراء في القومية العربية ، 11. العروبة أولاً ، 12. أبحاث مختارة في القومية العربية .

وأصدر في استنبول مجلة باسم (( أنوار العلوم )) ومجلة (( التدريسات الابتدائية )) ومجلة التربية .

هذه الكتب والدراسات وغيرها تبرز أهمية أبحاثِهِ وأفكاره التي سأعرضها بشكل موجز ومقتطف .

توفي في 24 / كانون الأول / 1968 وكرَّمته الأمة العربية بعد وفاته (( الاتحاد الاشتراكي العربي )) مصر )) وخصَّصت جامعة الدول العربية أسبوعاً لدراسة فكره تقديراً لدوره القومي والتربوي .

بعض أقواله وآرائه :

يقول (( إنَّ الدعوات الإقليمية الانعزالية تعوق رصّ الدول العربية في جبهة موحَّدة معادية للإمبريالية )) ويقول في مقدِّمة كتابه (( العروبة أوّلاً )) : (( إنّي أعتقد أنَّ أوَّلَ ما يجب عمله لتحقيق الوحدة العربية في الأحوال الحاضرة ، وهو إيقاظ الشعور بالقومية ، وبثّ الإيمان بوحدة هذه الأمة )) .

ويقول أيضاً : (( إنَّنا ثُرْنا على الإنكليز ، ثُرْنا على الفرنسيين ، ثرنا على الذين استولوا على بلادنا ، وحاولوا استعبادنا .. وقاسينا في هذا السبيل ألواناً من العذاب ، وتكبَّدْنا أنواعاً من الخسائر ، وضَحَّيْنا كثيراً من الأرواح .. ولكن عندما تحرَّرْنا من نير هؤلاء أخذنا نستقدس الحدود التي أقاموها في بلادنا بعد أن قطعوا أوصالها … ))

يُلمِحُّ في مقالاته على كشف نوايا الإمبريالية ودورها في التجزئة (( إنَّ الدول العربية القائمة الآن لم تتكوّن ، ولم تتعدَّد بمشيئتها ومشيئة أهلها ، ولا بمقتضيات طبيعتها ، إنّما تكوَّنَتْ وتعدَّدت من جراء الاتفاقات والمعاهدات المعقودة بين الدول التي تقاسمت البلاد العربية وسيطرت عليها …))

ويتعمَّق في طرحِ أفكارِه محلِّلاً ماهية الوحدة العربية : فيقول : (( ويخطئ من يظنُّ بأنَّ قضايا الوحدة العربية يمكنُ أنْ تدرَّس وتعالج بأعمال حسابية ، ولْنعلَمِ العلم اليقين بأنّ (( الاتحاد يولّد قوّة )) ليس عن طريق جمعِ القوى . فحسب . بل عن طريق إيجاد حياة جديدة ، وأوضاع جديدة تولّد قوى جديدة ، تفوق مجموع القوى المتفرِّقة بآلاف الدرجات …)) وحول علاقة الفكر القومي بالدين ، وما تعرَّض له من ردود ونقاشات يبيّن الحصْري وجهة نظره في فصل الدين وعدم اعتباره من مقوِّمات القومية . (( إن التفكير في بعض الأمورِ مستقلاً عن الدين ، لا يعني إنكار الدين ، إنَّما يعني اعتبار تلك الأمور مما لا يدخل في نطاق الأمور الدينية . وذلك لا يحول دون الرجوعِ إلى الدين في سائر الميادين . ولذلك كلِّه . قلت ولا أزال أقول : إنَّ نَعْتَ القومية باللادينية والقوميين باللادينيين . لا يتفق مع حقائق الأمور بوجه من الوجوه … ))

هذه الآراء والأفكار وضعته في مواجهة فكرية مع أنصار الرابطة الإسلامية .. فتصدى لهم عن طريق الحوار فنفى كون الدين عاملاً من عوامل تكوين الأمة العربية ، وأنكر دوره في تشكّل الفكرة القومية العربية . وحذَّر من اعتبار الدين عاملاً أساسياً رغم أنه يراعي تأثير الإسلام على الجماهير العربية العريضة . ويؤكّد الحصري أن الموقف الذي يقفه دعاة الرابطة الإسلامية حيال الوحدة العربية يجعلهم في مواقع العداء لمصالح الأمة العربية . فهم بنفيهم العصبة الجنسية وبتأييدهم للعصبة الدينية يسهمون في تعميق النـزاع بين المسلمين والمسيحيين وغيرهم من الطوائف فيقول : (( كيف يمكن لأحد أن يأمل بتكوين وحدة من البلاد الإسلامية التي تتكّلم بلغات مختلفة . دون تكوين وحدة من البلاد التي تتكلّم بلغة واحدة ، ولا سيما التي تتكلم بلغة القرآن .. ) )

إنَّ اهتمام الحصْري بالقضايا المصيرية كان يدفعه إلى الحوارات والكتابة والإدلاء بآرائه . وقد تناثرت آراؤه القيمة في كتبه ومساجلاته ومحاضراته وهي ذات قيمة. فاعتبر الجامعة العربية خطوة بالغة الأهمية ،وهي سبيل إلى التلاحم القومي وبعث الوعي القومي الذي اعتبره سبيلاً إلى التلاحم في حال توفر الأسس الموضوعية لها . ويخرج بنا إلى آراء تحتاج إلى وقفة متأنية فيقول : (( إن الجامعة قد ألحقت الضرر بالقومية العربية بدلاً من أن تعمل لخيرها . قوبلت في البداية بحماسة شديدة ، لكن الوقائع خيَّبت آمال الكثيرين ويرى أيضاً : من الخطأ المطابقة بين جامعة الدول العربية وبين المسيرة الوحدوية القومية . ويؤكد على كونها جامعة للدول العربية لا جامعة عربية والأخيرة لا تزال بمثابة المثل الأعلى الذي تصبو إليه النفوس المدركةُ معنى العروبة ))

وللحصْري آراءٌ في التاريخ واللغة والتراث والثقافة وهي آراء في معرض دفاعه ودعوته للوحدة . فلم يشتغل بالقضايا التاريخية كعالم متخصِّص أو محترف فما اهتمامه بهذه القضايا إلا من مناحي البرهان على نظريته في الأمة العربية .. فقد آمن بأولوية توحيد كافة فئات المجتمع العربي وقواه السياسية من أجل بلوغ الأهداف القومية العامة . وأكّد على حياده إزاء الأحزاب السياسية وظلَّ يقترب ويؤيِّدُ ولكنه لا ينتمي وعبَّرَ عن ذلك بقوله : (( واجب المنوّر والمربي في رأيه (( خدمة وجهة السياسة العليا )) وأكَّد على هذه الفكرة في أكثر من مكان منها (( مجلة التربية والتعليم البغدادية )) .

ويقدِّم الحصْري وحدة اللغة على سائر عوامل الرابطة القومية . ويرى أنَّ الثقافة القائمة على اللغة تؤكد تشابه التكوين النفسي ويعتبره أساس الأمة . فيقول لطه حسين : (( اضمنوا لي وحدة الثقافة وأنا أضمن لكم كلَّ ما بقي من ضروب الوحدة )) وفرَّق بين الثقافة التي اعتبرها قومية وبين الحضارة التي اعتبرها أمميَّة . وتكلَّم عمَّا يدعى ويسمى (( العبودية الثقافية )) (( السيطرة الثقافية )) التي تمارسها بلدان الغرب الإمبريالية .ويراها تشكل خطراً على الثقافة القومية والوجود القومي العربي . ويحذِّر من مخلَّفات السيطرة الاستعمارية الغربية التي تروِّج للتيارات والنـزعات الإقليمية .. وبالمقابل يؤكد الحصْري على شعبية الثقافة . ويعتبرها الأساس في تكوين نفوس الشعب ولا يقصد بذلك التقليد بل البعث والنهوض . وهذا ما دعاه إلى رسم سياسة لغوية صحيحة في معركة النضال من أجل الوحدة العربية ، فأبرز أهمية إصلاح اللغة والتعمّق في معرفة الفصحى في مدارس البلدان العربية .

ودافع عن قومية الأدب أمام المنادين بإقليمية الأدب فخاطب أحمد ضيف : (( إنَّ الأدب العربي لم يكن أدباً واحداً . وإنما هو مجموعة آداب ، نشأت في بيئات مختلفة ، (( ويستشهد بالمتنبي الذي ولد في الكوفه ونشأ في البادية وعاش في بغداد وحلب . وسافر إلى القاهرة .، . ومع ذلك حافظ على أصالته وصفته الموحّدة . وإنَّ الأدب حافظ على صفته الموحَّدة والموحِّدة حتى في أسوأ عصور تفكك الدول العربية وتفتُّت شعوبها . …… فيرى الحصري : (( التنوّع والأصالة شيء وإقليمية الأدب شيء آخر . فلا يوجد أدب مصري وأدب عراقي أو شامي أو تونسيٌّ …… وإنما يوجد أدباء مصريون ، عراقيون ، شاميون ، وكلُّهم يسعون لتطوير الأدب وإبراز أصالته .. ))

وفي سبيل تكوين ثقافة عربية معاصرة يجدُ الحصْري التنوير أنجعَ أداة . و لا يقتصر التنوير عنده على التعليم المدرسي والتحصيل الجامعي بل يتعدّاه إلى تأثير المفكرين والإيديولوجيين من حملة الأفكار القومية والوطنية النيّرة . وهذا ما جعله يعتبر وحدة الثقافة مقدِّمة هامة وأساسيّة للوحدة السياسية . وهذا يستدعي إصلاح وتوحيد أنظمة التربية والتعليم في البلدان العربية وقد ساهم واهتمَّ بهذا الدور التنويريِّ الهام . فاعتبرَ المدرسةَ مهمَّتُها إعدادُ الجمهور لتقبُّلِ الأفكار الجديدة وجعل الجيل الجديد عاملاً في إعداد مجتمع راق ، ولذلك دعا إلى الإبداع الخلاق وزرعه في نفوس الناشئة دون إلغاء الأصالة ….

لم يقض الحصْري عمرَه المديد وراء المكاتب وفي برجه بل كان مثالاً للباحث والمجرِّب والدارس الملتزم . يحاضر ويناقش ويطوِّر آراءه ونظراته ،ولم يغلق نوافذ ثقافته وتفكيره على ثقافة دون ثقافة بل أقاد كثيراً من نظريات تكوين الأمم تحديداً النظرية الألمانية والفرنسية فقال الدكتور محمد أحمد خلف الله : (( لقد كان ساطع الحصري يصدر عن العقيدة القومية في كلِّ أعمالِهِ التعليمية . كما دفعه ذلك إلى أن يسلك وسيلة خاصة مع المدارس التي ينشئها غيرُ العرب في العراق . فكان ينشئ إلى جانب كلِّ مدرسة إيرانية مدرسة عربية ))

ويشيد المؤرِّخ المصري محمد عبد الرحمن برج بدور الحصْري فقال عنه في كتابه (( ساطع الحصري )) : (( كان ساطع على رأس الرعيل الأول الذي دعا إلى القومية العربية وإلى تجسيد هذه القومية في وقت كانت فيه شخصيةُ الأمة العربية قد ذابت في شخصيات أخرى . واتجّه أبناؤها اتجاهات شتىّ .. ))

ويقول : (( الباحثون الغربيون ركزوا على الجذور الفلسفية لأفكار الحصْري ، ويعتبرونها نقلاً مباشراً لما كان رائجاً في أوروبا بالقرن التاسع عشر . ويتجاهلون عداءَه للإمبريالية وهي سمة من سمات مؤلفاته .. ))

وبعد هذا أدلي بالسؤال الذي يخطر على البال : لماذا الحديث عن ساطع الحصْري ؟ ولماذا الاقترابُ من كتبه وأفكاره في هذا العصر بالذات ؟؟؟





المراجع :

1. 1. العروبة أولاً ……………… ساطع الحصري
2. ساطع الحصري رائد المنحى العلماني في الفكر القومي العربي تيخونوما
3. ساطع الحصري …………………………… محمد عبد الرحمن برج.


http://www.nashiri.net/articles/intellect-and-philosophy/4731-2011-03-07-13-06-04-v15-4731.html


المعلم
Admin
Admin

عدد المساهمات : 456
تاريخ التسجيل : 29/01/2008
العمر : 59

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mass-media.5forum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: المحاضرة التاسعة - ساطع الحصري

مُساهمة من طرف المعلم في 23/9/2013, 9:35 pm

الجزء الأول: عوامل القومية / ساطع الحصري

لائحة القومي العربي arab_nationalist@yahoogroups.com



يمكن اعتبار الاستاذ ساطع الحصري المعلم الأول للقومية العربية في النصف الأول من القرن العشرين. وهو من عائلة عربية سورية، ولد في صنعاء، في اليمن، عام 1879 أو 1880، وتوفي في بغداد عام 1968. وقد عمل خلال تلك السنوات المديدة في سلك التعليم ووضع المناهج الدراسية في العراق وسوريا ومصر عبد الناصر، وبشر بالقومية العربية ونظّر لها طوال سنيِّه. وقد أخبرني أحد معاصري فترة المد الوحدوي في الخمسينات أن الأستاذ ساطع الحصري سافر مرة إلى مصر، وكان وقتها في السبعينات، فرفض أن يقدم جواز سفره لضباط مطار القاهرة، مصراً على دخول مصر بدون إبراز جواز سفره، لأنه عربي يتحرك بين أقطار وطن واحد، وبالتالي ليس من المفترض أن يحتاج لجواز سفر، ولو طلبوا منه هوية شخصية لاختلف الأمر، وحدثت مشكلة طبعاً، وصلت إلى الرئيس جمال عبد الناصر، الذي أوعز لضباط المطار بإدخال الأستاذ ساطع الحصري بدون جواز سفر... فكرس الأستاذ ساطع الحصري بذلك سابقة دخول العرب عبر الحدود المصطنعة بدون جواز سفر. رحم الله أيام المد الوحدوي، سوى أنه لم يمت، بل يقضي قيلولة حالياً، ولو بدت طويلة.

وتجدون أدناه نص محاضرة الحصري عن العناصر المكونة للقومية التي القاها في نادي المعلمين في بغداد عام 1928. اقرأوها لتروا كيف تكون المحاضرات، وكيف كانت يوماً! واقرأوها لتعرفوا كيف تقهقر الفكر السياسي العربي بين عامي 1928 و2008... وكيف فرضت القومية العربية نفسها بقوة الحجة، وتماسك المنطق، لتنتج فيما بعد تياراً قومياً عارماً.

وإذا كانت أوروبا قد بدأت نهضتها بعد عصور الظلام في القرون الوسطى بنفض الغبار عن الأعمال الكلاسيكية للإغريق والرومان، فإن نهضتنا القومية العربية الجديدة لا بد لها أن تبدأ بنفض الغبار عن كلاسيكيات الأعمال القومية العربية في النصف الأول من القرن العشرين. وهذا الجزء الأول من سلسلة التثقيف القومي من الطبيعي أن يبدأ بساطع الحصري، وستتلوه تباعاً أجزاء أخرى للحصري ولغيره من معلمي القومية العربية الكبار.

ويناقش ساطع الحصري في هذه المادة عوامل تكوين القومية، ليستنتج:

1) أن النظرية العرقية في القومية التي تقيم الأمة على أساس الأصل العرقي الواحد أو المشترك نظرية سخيفة ولا أساس لها من الصحة، وهو ما يجب أن ينتبه له جيداً من يتقولون بأن القومية تمثل عصبية عرقية أو عنصرية.

2) أن العاملين الأساسيين في تكوين القوميات هما اللغة والتاريخ المشترك، ومن خلال هذين العاملين يجب أن تقيم كل العوامل الأخرى المؤثرة بالقومية.

3) أن علاقة الدين بالقومية علاقة غير خطية، لا تخضع للتعميمات التبسيطية، سواء كانت تلك التعميمات سلبية أو إيجابية، ويظهر الحصري هنا أن التأثير المتبادل بين القومية والدين يؤثر ويتأثر باللغة والتاريخ، وينتهي إلى أن الدين لا يلغي حقيقة الوجود القومي.

4) أن الدول التي تحكم شعوباً من غير قومياتها تقيم نظرية دولتها عادة على فكرة "الإرادة" و"المشيئة" بالتعايش المشترك بين الشعوب، بغض النظر عن عوامل القومية، وهو ما يناسب تلك الدول المهيمنة تماماً من الناحية السياسية، ولذلك يفند الحصري هذه التنظيرات الإرادوية للقومية، ويشرّحها بمبضعه المنطقي الحاد.

وهذه مجرد خلاصة طبعاً لا تغني عن قراءة هذه المادة بإمعان، ومناقشتها بعمق.

أخوكم إبراهيم علوش
أحد مدراء لائحة القومي العربي



المعلم
Admin
Admin

عدد المساهمات : 456
تاريخ التسجيل : 29/01/2008
العمر : 59

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mass-media.5forum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: المحاضرة التاسعة - ساطع الحصري

مُساهمة من طرف المعلم في 23/9/2013, 9:36 pm

عوامل القومية

ساطع الحصري

(من محاضرة ألقيت في نادي المعلمين في بغداد عام 1928، وصدرت في كتاب: ساطع الحصري [أبو خلدون]، أبحاث مختارة في القومية العربية، التي كتبها ونشرها المؤلف في تواريخ مختلفة، 1923-1963 (القاهرة: دار المعارف، 1964)، الجزء الأول، ص: 38 – 56.)

إذا ألقينا نظرة عامة على الانقلابات السياسية التي حدثت منذ أوائل القرن التاسع عشر، وتحرينا أهم العوامل التي أدت إلى تلك الانقلابات، نجد أنها تتلخص في عبارة وجيزة هي: مبدأ القوميات.

فإن النزعات القومية التي كانت ضئيلة الأثر وقليلة الظهور حتى ذلك التاريخ، أخذت تتقوى بعد ذلك بسرعة هائلة، وأصبحت تفرض نفسها على اتجاهات السياسة، وتسيطر على سير التاريخ. فكثير من الأمم المغلوبة على أمرها أفاقت من سباتها، وأخذت تشعر بكيانها الخاص، وصارت تسعى إلى تدعيم هذا الكيان بالحكم الذاتي أولاً، وبالاستقلال التام ثانياً. على حين أن السلطنات التي كانت قائمة قبلاً، أخذت تتقلص شيئاً فشيئاً، إلى أن اندرس معظمها، تاركاً محله لدولٍ قومية عديدة. وبدأت هذه القوميات تختلف وتتنازع، وظهرت من جراء ذلك مسائل الأقليات وما يتبعها من المشاكل والاختلافات.

وإذا استعرضنا سير هذه الانقلابات، وجدنا أن جماعات من الناس اعتبرت نفسها من قومية واحدة، وأخذ أفرادها يشعرون أنهم أبناء أمة واحدة، متميزة من الأمم الأخرى، وصاروا ينزعون إلى الاستقلال عنها.

فيجدر بنا أن نتساءل: ما هي العوامل التي تجعل بعض الناس يشعرون أنهم أبناء أمة واحدة، متميزون من أبناء الأمم الأخرى؟ وبتعبير أقصر: ما هي العناصر التي تكون الأمم، والعوامل التي تميز بعضها من بعض؟

إن الأجوبة التي أعطيت عن هذه الأسئلة اختلفت كثيراً باختلاف الباحثين. ذلك لأن هذه الأبحاث لم تبقَ في نطاق المسائل العلمية البحت، بل تأثرت كثيراً بنزعات السياسة ومطاليبها.

فإن كل جواب على هذه الأسئلة لا بد أن يؤيد أو يفند إحدى النظريات السياسية، ولا بد من أن يأتي موافقاً أو مخالفاً لمطاليب أمة من الأمم أو دولة من الدول.

ولذلك تجد أن العلماء والباحثين اختلفوا في هذا الأمر اختلافاً كبيراً، بسبب اختلاف نزعات الأمم التي ينتمون إليها، حتى أننا كثيراً ما نجد بينهم من لم يتورع عن جمع المتناقضات أيضاً، فإنهم يقولون بنظرية في بعض القضايا، وبنظرية مخالفة لها في قضايا أخرى مماثلة لها، وذلك حسب ما تقتضيه منافع الدول التي ينتسبون إليها.

فيجدر بنا أن ندرس هذه المسائل بحذر شديد، وأن نناقش الآراء والنظريات التي حامت حولها بانتباه تام.


- 1 –

فلنبحث إذن: ما هي العناصر التي تكون القومية وتؤلف الأمة؟

إن أول ما يخطر على البال، ويلفت النظر، في هذا الصدد، هو وحدة الأصل والمنشأ.

يظن الناس عادة أن كل أمة من الأمم تتحدر من أصل واحدٍ، ويزعمون أن جميع أفراد الأمة الواحدة يكونون بمثابة الأشقاء المتحدرين من صلب أبٍ واحد. ولذلك نجدهم يكررون في كل مناسبة كثيراً من التعبيرات الدالة على هذا الزعم، كقولهم: "أجدادنا، آباؤنا، إخواننا...".

غير أن هذا الظن لا يستند إلى أساسٍ صحيح، لأن جميع الأبحاث العلمية – المستمدة من حقائق التاريخ ومن مكتشفات علم الإنسان ومكتسبات علم الأقوام – لا تترك مجالاً للشك في أنه لا يوجد على وجه البسيطة أمة تتحدر من أصل واحدٍ فعلاً، ولا توجد على الأرض أمة خالصة الدم تماماً.

فإن جميع الأمم التي نعرفها الآن قد تكونت من تداخل عشرات الأعراق والأجناس، في مختلف أطوار التاريخ، حتى إن الأجناس التي عاشت في القرون المتقدمة على أدوار التاريخ، كانت أيضاً متخالطة ومتداخلة جداً.

ونستطيع أن نقول بكل جزم وتأكيد: إن وحدة الأصل والدم في الأمم إنما هي من الأوهام التي استولت على العقول والأذهان، من غير أن تستند إلى دليلٍ أو برهان.

لا الإنكليز، ولا الروس، ولا الألمان، ولا البلغار... كانوا متجانسين من حيث الأصل والنسل. بل إن كل واحدة من هذه الأمم إنما تكونت من تداخل وتمازج عشرات الأقوام. حتى الأمة الفرنسية لا تتحدر من أصل واحد. هذه الأمة التي كانت أسبق الأمم الأوروبية إلى تكوين وحدة سياسية قومية، حتى هذه الأمة نفسها إنما تكونت من اختلاط عدد كبير من الأقوام والأجناس. وقد تبين من الأبحاث العلمية التي لا مجال للشك فيها أن عدد الأقوام التي كونت فرنسيي اليوم يتجاوز الستين. ولهذا فإننا إذا قارنا سكان شمال فرنسا بسكان جنوبها – من حيث الأوصاف البدنية والخصائص الجنسية – وجدنا بينهم بوناً شاسعاً جداً. فإن مشابهة أهالي بعض المقاطعات الشمالية – كالبريتاني والنورماندي مثلاً – الإنكليز والألمان، أكبر بكثير من مشابهتهم أهالي سائر المقاطعات، وبخاصة أهالي المقاطعات الجنوبية.

إن كل الأبحاث العلمية المتعلقة بالأزمنة التاريخية وما قبل التاريخية (Préhistorique) تدل دلالة قاطعة على أن تداخل الأقوام والأجناس استمر دون انقطاع في جميع أقسام فرنسا منذ أقدم الأزمنة. فأصبح الآن من الصعوبة بمكان تعيين "المنبع الأصلي" الذي ترجع إليه القومية الفرنسية وتتحدر منه. وقد اختلف علماء التاريخ فيما بينهم اختلافاً كبيراً حينما حاولوا تعيين هذا المنبع الأصلي: ما هو الشعب الذي يستحق أن يُنعت باسم "أجداد الفرنسيين الحاليين"؟ هل هم الغاليون؟ أو هم الرومان؟ أم هم الفرنك؟ إن كل واحد من هذه الحلول الثلاثة صار أساساً لنظرية من نظريات التاريخ: لقد ظل العلماء والمفكرون يتناقشون في ذلك مدة طويلة، إلى أن عرفوا ما في هذا النقاش من العبث: إن جميع هؤلاء الأقوام – وعشرات أمثالها – قد اشتركوا في تكوين الأمة الفرنسية، فإذا ما بحثنا عن أصل الفرنسيين يجب أن نبحث عن العنصر الذي كان أشد تأثيراً في هذا التكوين، من الوجهة المعنوية، لا من الوجهة المادية. ويجب أن نعلم العلم اليقين أن الفرنسيين إذا انتسبوا إلى الأقوام اللاتينية، فإنما ينتسبون إليها من وجهة اللغة والثقافة، لا من جهة الأصل والدم، وذلك لأن من الحقائق الثابتة علمياً أن دم اللاتين والرومان في فرنسا أقل بكثير من دماء الجرمان.

وهذا هو الحال في جميع الأمم، فإنها جميعاً مختلطة ومتداخلة من حيث الأصل والدم...

إنني أشبه الأمم من هذه الوجهة بالأنهر العظيمة. فمن المعلوم أن كل نهر من الأنهر تجري فيه مياه أتت من منابع ومصادر وروافد مختلفة. والأنهر الكبيرة تكون كثيرة المنابع وعديدة الروافد بوجهٍ عام، وإذا ما بحثنا عن منبع نهر من الأنهر، فإنما نفعل ذلك بالنسبة إلى ما هو الغالب والأساسي، ولا نعني بذلك أن جميع مياه النهر تأتي من منبع واحد فعلاً.

هذا نهر دجلة، مثلاً: من منا يستطيع أن يجزم من أين أتت المياه التي تسيل فيه الآن؟ من منا يستطيع أن ينكر أن هذه المياه آتيةٌ من نواحٍ مختلفةٍ جداً؛ كلنا نعلم أن قطرات هذه المياه قد تكون متأتية من العيون التي تنبع من تحت التراب أو من بين الصخور؛ وقد تكون متولدة من ذوبان الثلوج المتراكمة على الجبال؛ وقد تكون آتية من السيول المتكونة من هطول الأمطار؛ وكل ذلك قد يكون من جراء ما حدث في أعالي الزاب، أو على سفوح حمرين، أو في سهول الموصل، أو على جبال زاخو، أو في ديار بكر... ومهما كان الأمر، فإن جميع هذه المياه المختلفة تسير جنباً إلى جنبٍ في مجرى واحد، وتكوّن هذا النهر الذي يجري أمامنا. إننا نسمي هذه المياه باسم مياه دجلة، من غير أن نفكر في منشأها الخاص، أو أن نتساءل عن طول المدة التي مضت منذ التحاقها بهذا المجرى الطويل، وانتسابها إلى هذا النهر العظيم.

إن أحوال الأمم ومنابعها تشبه ذلك شبهاً كبيراً. إن الإنكليزي المثقف لا يعرف ما إذا كان بينه وبين شكسبير أو نيوتن أو ميلتون رابطة أصل ونسب، ومع ذلك فإنه يعتبر هؤلاء أجداداً له وأسلافاً، ويفتخر بهم أكثر مما يفتخر بأجداده الحقيقيين.

وكذلك الفرنسي المثقف: فإنه لا يتساءل عما إذا كان يجري في عروقه حقيقة شيء من دم شارلمان أو راسين أو فولتير. ومع هذا فهو يعتبر هؤلاء كلهم أجداداً له وأسلافاً، ويعتز بهم أكثر مما يعتز ببني أسرته الأقربين.

إن المهم في القرابة والنسب ليس رابطة الدم في حد ذاتها، بل هو الاعتقاد بها والنشوء عليها. وهذا هو الواقع، بالنسبة للأفراد والجماعات على حدٍ سواء: إن الاعتقاد بوحدة الأصل – والشعور بالقرابة – يعمل عملاً هاماً في تكوين الأمم، سواء أكان ذلك موافقاً للحقيقة أو مخالفاً لها، لأن القرابة بين أفراد الأمم تكون قرابة نفسانية معنوية، أكثر مما تكون جسمانية ومادية.
-2-

لقد قررنا أن القرابة في الأمم تكون نفسانيةً ومعنويةً أكثر مما تكون جسمانيةً ومادية.

ومن البديهي أنه لا يجوز لنا أن نكتفي بتقرير هذه الحقيقة، بل يجب علينا أن نسعى إلى تعليلها أيضاً: يجب علينا أن نبحث في الوقت نفسه عن كيفية تولد هذه القرابة المعنوية، وأن نتحرى الأسباب الموجبة لها، والعوامل المؤدية إليها.

إن هذه الأبحاث والتحريات توصلنا إلى الحقيقة التالية:

إن أهم العوامل التي تؤدي إلى تكوين القرابة المعنوية التي يشعر بها الأفراد في الأمم المختلفة، هي اللغة والتاريخ، فإن الاعتقاد بوحدة الأصل إنما يكون في الدرجة الأولى من الوحدة في اللغة والاشتراك في التاريخ.

فلندرس تأثير كل واحد من هذين العاملين الهامين بشيء من التفصيل:

اللغة: هي أهم الروابط المعنوية التي تربط الفرد البشري بغيره من الناس، لأنها أولاً، واسطة التفاهم بين الأفراد، ثم هي فضلاً عن ذلك، آلة التفكير. لأن التفكير – حسب تعبير أحد الحكماء – ما هو إلا تكلم باطني، والتكلم إنما هو نوعٌ من التفكير الجهري. وأخيراً، إن اللغة هي واسطة لنقل الأفكار والمكتسبات من الآباء إلى الأبناء، ومن الأجداد إلى الأحفاد، ومن الأسلاف إلى الأخلاف.

هذا، واللغة التي ينشأ عليها الإنسان، تكيف تفكيره بكيفيات خاصة، كما أنها تؤثر في عواطفه أيضاً تأثيراً عميقاً؛ فإن اللغة التي يسمعها المرء منذ صغره، اللغة التي تخاطبه بها أمه منذ أوائل حياته الواعية، لغة التنويمات والأغاني التي تهز مشاعره منذ طفولته، تؤثر بطبيعة الحال تأثيراً عميقاً في تكوينه العاطفي. ولذلك تجد أن وحدة اللغة توجد نوعاً من الوحدة في التفكير وفي الشعور، وتربط الأفراد بسلسلة طويلة ومعقدة من الروابط الفكرية والعاطفية. ونستطيع أن نقول لذلك: إنها تكوِّن أقوى الروابط التي تربط الأفراد بالجماعات.

وبما أن اللغات تختلف بين قومٍ وقوم، فمن الطبيعي أن نجد مجموع الأفراد الذين يشتركون في اللغة، يتقاربون أكثر من غيرهم، ويتماثلون ويتعاطفون أكثر من سواهم، ويتميزون عمَّن عداهم، فيؤلفون بذلك أمةً متميزة من الأمم الأخرى.

لذلك نستطيع أن نقول: إن الأمم يتميز بعضها من بعض – في الدرجة الأولى – بلغتها، وإن حياة الأمم تقوم، قبل كل شيء، على لغاتها.

وإذا أضاعت أمة من الأمم لغتها، وصارت تتكلم بلغةٍ أخرى، تكون قد فقدت الحياة واندمجت في الأمة التي اقتبست عنها لغتها الجديدة.

كثيراً ما يرينا التاريخ، أن بعض الأمم تستولي على أمةٍ أخرى، وتخضعها لإرادتها، وتسير شؤونها كما تشاء. إن هذا الاستيلاء يفقد الأمة المغلوبة استقلالها، ولكنه لا يمس كيانها، ما دامت الأمة المذكورة محافظة على لغتها الخاصة بها، وما دامت متميزة من الأمة المستولية عليها بهذه اللغة الخاصة. وقد قال أحد المفكرين: "إن الأمة المحكومة التي تحافظ على لغتها، تشبه السجين الذي يمسك بيده مفتاح سجنه". إنها تستطيع أن تفلت من سجنها هذا، فتسترد حريتها واستقلالها في يومٍ من الأيام، لأنها تبقى حية بحياة لغتها، وتظل محافظةً على كيانها كأمة، برغم أنها تكون قد فقدت شخصيتها كدولة. ولكن الأمة المذكورة إذا فقدت – بمرور الزمان – لغتها الخاصة واقتبست وتبنت لغة الدولة المستولية عليها، تكون قد فقدت الحياة بتاتاً، واندمجت في كيان الأمة التي أعطتها لغتها الجديدة، فلا يبقى ثمة أمل لعودتها إلى الحرية والاستقلال.

يتبين من ذلك كله: أن اللغة هي روح الأمة وحياتها، إنها بمثابة محور القومية وعمودها الفقري، وهي من أهم مقوماتها ومشخصاتها.

أما التاريخ فهو بمثابة شعور الأمة وذاكرتها. فإن كل أمة من الأمم، إنما تشعر بذاتها وتكون شخصيتها بواسطة تاريخها الخاص.

عندما أقول التاريخ، لا أقصد بذلك التاريخ المدون في الكتب – التاريخ المدون بين صحائف المطبوعات والمخطوطات – بل أقصد بذلك التاريخ الحي في النفوس، الشائع في الأذهان، المستولي على التقاليد.

إن وحدة هذا التاريخ تولد تقارباً في العواطف والنزعات، إنها تؤدي إلى تماثل في ذكريات المفاخر السالفة وفي ذكريات المصائب الماضية، وإلى تشابه أماني النهوض وآمال المستقبل.

ولذلك نستطيع أن نقول: إن الذكريات التاريخية تقرب النفوس، وتكوِّن بينها نوعاً من القرابة المعنوية. وتكون هذه القرابة المعنوية أشد تأثيراً من القرابة المادية بدرجات.

والأمة المحكومة التي تنسى تاريخها، تكون قد فقدت شعورها ووعيها. وهذا الشعور والوعي، لا يعودان إليها إلا عندما تتذكر ذلك التاريخ وتعود إليه.

ولهذا السبب، نجد أن الأمم المستولية والحاكمة، تعمد قبل كل شيء إلى مكافحة تاريخ الأمة المحكومة، وتبذل ما استطاعت من الجهود لأجل إقصاء ذلك التاريخ عن الأذهان. إنها تسعى – من جهة – إلى تشويه هذا التاريخ لأجل تجريده من قوة الجذب والتأثير، كما تعمل – من جهة أخرى – على إلهاء الأذهان بوقائع تاريخها هي وبهر الأنظار بشعشعة التاريخ المذكور.

وأما اليقظات القومية، بعد عهود الحكم الأجنبي، فتبدأ عادة – بعكس ذلك – بتذكر التاريخ القومي وبالاهتمام به اهتماماً خاصاً.

يتبين من كل ما تقدم، أن اللغة والتاريخ هما العاملان الأصليان اللذان يؤثران أشد التأثير في تكوين القوميات. والأمة التي تنسى تاريخها تكون قد فقدت شعورها، وأصبحت في حالة من السبات، وإن لم تفقد الحياة. وتستطيع هذه الأمة أن تستعيد وعيها وشعورها بالعودة إلى تاريخها القومي والاهتمام به اهتماماً فعلياً، ولكنها إذا ما فقدت لغتها، تكون عندئذ قد فقدت الحياة ودخلت في عداد الأموات، فلا يبقى سبيل إلى عودتها إلى الحياة، فضلاً عن استعادتها الوعي والشعور.

-3-

ولكن العوامل التي تؤثر في تكوين الأمم تميز بعضها من بعض لا تنحصر في اللغة والتاريخ؛ بل إن هناك عوامل أخرى تؤثر في ذلك تأثيراً واضحاً، فتقوي تارة تأثير العاملين الأساسيين المذكورين آنفاً، وتضعف ذلك التأثير طوراً.

إن أهم هذه العوامل، هو الدين.

لأن الدين يولد نوعاً من "الوحدة" في شعور الأفراد الذين ينتمون إليه، ويثير في نفوسهم بعض العواطف والنزعات الخاصة التي تؤثر في أعمالهم تأثيراً شديداً. فالدين يعتبر من هذه الوجهة من أهم الروابط الاجتماعية التي تربط الأفراد بعضهم ببعض، وتؤثر بذلك في سير السياسة والتاريخ.

غير أن تأثير الدين في تسيير السياسة والتاريخ وتكوين القومية والوطنية – على هذا المنوال – لا يجري على وتيرة واحدة في كل الأحيان. بل إن هذا التأثير يختلف باختلاف الأديان من جهة، وباختلاف العصور والأدوار من جهة أخرى.

ولذلك نستطيع أن نقول إن علاقة الأديان بالقوميات من المسائل المعضلة التي تحتاج إلى بحث عميق وتحليل دقيق.

يجب علينا أن نلاحظ في هذا الصدد – قبل كل شيء – أن الأديان تنقسم من الوجهة الاجتماعية إلى صنفين أساسيين: الأديان القومية، والأديان العالمية.

ذلك لأن بعض الأديان تنحصر بقوم أو شعب أو مدينة. ومعتنقو هذه الأديان يعتقدون بإله خاص بهم دون غيرهم، ويزعمون أنه يحميهم دون سواهم. ولذلك فإنهم لا يسعون إلى نشر دينهم ومعتقدهم بين الأنام، بل بعكس ذلك يسدون أبواب هذا الدين في وجوه سائر الأقوام. ولا حاجة إلى القول إن أمثال هذه الديانات الخاصة، تكون بمثابة أديان قومية بكل معنى الكلمة. ومن الطبيعي أن الرابطة التي تتولد منها تنضم إلى تأثير اللغة والتاريخ، وتقوى الروابط التي تربط الأفراد بعضهم ببعض. ولذلك كله نجد أن الحياة الدينية لدى تلك الأقوام، لا تنفصم عن الحياة السياسية أبداً، فتزيد أفراد القوم ترابطاً على ترابطهم وتماسكاً على تماسكهم. فنستطيع أن نقول إن الروابط الدينية تكون في هؤلاء الأقوام من عناصر القومية الأساسية.

من المعلوم أن الديانة الموسوية، وكثيراً من الأديان الوثنية القديمة كانت من هذا القبيل.

ولكن الأحوال تختلف عن ذلك اختلافاً كبيراً في الأديان العالمية لأن هذه الأديان لا تختص بشعب من الشعوب أو أمة من الأمم، بل بعكس ذلك تفتح أبوابها لجميع الأقوام، وتدعو إلى اعتناقها جميع الأنام، على اختلاف لغاتهم وأجناسهم. إن هذه الأديان إنما تسعى إلى الانتشار بين أكبر عدد ممكن من الأفراد والجماعات، وتميل إلى إيجاد رابطة أعم من روابط اللغة والتاريخ، وتخلق بذلك نوعاً من الجو الأممي الذي يحيط بكثير من الأقطار ويغمر كثيراً من الأقوام.

ومن البديهي أن أصحاب هذا الصنف من الديانات كثيراً ما يميلون إلى معارضة القوميات.

ومن المعلوم أن الديانة المسيحية والديانة الإسلامية من جملة هذه الأديان العالمية التي مثلت دوراً هاماً في سير التاريخ.

***

قلنا إن هذه الديانات تسعى إلى خلق نوع من الجو الأممي الذي يجمع مختلف الأقوام، ويغمرها غمراً. ولكن، يجب علينا أن نتساءل: هل نجحت الأديان العالمية التي ذكرناها في ما كانت تنزع إليه في هذا الصدد؟ وهل أوجدت بهذه الصورة رابطة أقوى وأعم من الروابط القومية الأخرى؟

إن التاريخ يشهد على عكس ذلك تماماً: إن الأديان العالمية لم تنجح في ذلك، إلا داخل نطاق محدود، لمدة قصيرة جداً. إنها لم تستطع أن تمزج الأقوام مزجاً حقيقياً، وأن تزيل الفوارق التي تميز بعض أولئك الأقوام من بعض تماماً، إلا بقدر ما نجحت في نشر لغة من اللغات، وبقدر ما أوجدت من التبدل في حدود القوميات.

فالديانة المسيحية مثلاً، حاولت أن تشمل العالم بأجمعه، ومع هذا، فإنها لم تحل دون تفرق المسيحيين أنفسهم إلى أمم ودول عديدة، ودون تخاصم وتحارب هذه الأمم والدول في ما بينها.

وكذلك الأمر في الإسلام؛ من المعلوم أن الدعوة الإسلامية أيضاً سعت إلى جمع الأنام تحت راية القرآن الكريم، ولكن التاريخ يشهد على أن المسلمين أنفسهم لم يبقوا متحدين تماماً، إلا لمدة محدودة جداً، وأن انتشار الإسلام لم يحل دون تفرق المسلمين إلى أمم ودول، ودون حدوث منازعات ومخاصمات بين الدول الإسلامية نفسها.

ذلك أن المبادئ النظرية شيء، والحقائق الراهنة شيء آخر؛ وما يرد في التعاليم الدينية شيء، وما يتحقق في الحياة الاجتماعية شيء آخر. والأديان العالمية لم تستطع أن توحد القوميات، حتى في الأدوار التي وصلت سلطتها خلالها إلى أقصى الدرجات.

ولا غرابة في ذلك أبداً، لأن الأديان نفسها كثيراً ما تتفرق إلى مذاهب متنوعة. والقوميات المختلفة كثيراً ما تجد في الاختلافات المذهبية سبيلاً للحفاظ على كيانها، على الرغم من الجو الأممي الذي تخلقه الأديان العالمية، وذلك عن طريق اعتناق مذهب جديد، وحمل راية مذهب خاص.

زد على ذلك أن الدين، ولو كان أمراً باطنياً في حد ذاته، فإنه لا يخلو من المظاهر الخارجية، ولا يستغني عن الوسائط المادية، فيُخضع ذلك لقوانين الحياة الاجتماعية، كما يتضح من التفاصيل التالية:

أولاً: إن التعاليم الدينية تستمد قوتها من كتاب خاص، وهذا الكتاب إنما يكون بلغة من اللغات.

ثانياً: هذه التعاليم تفرض بعض الطقوس والصلوات، وهذه أيضاً إنما تكون بلغة من اللغات.

ثالثاً: إن الأديان تتطلب تشييد بعض المعابد والمباني لإقامة شعائر الدين. وهذه المعابد لا بد أن يتولى شؤونها بعض الرجال، وهؤلاء الرجال إنما يتكلمون بلغة من اللغات، وينتسبون إلى أمة من الأمم.

يظهر من ذلك كله أن للدين علاقةً قويةً باللغة، فإن كل دين من الأديان يقوم على لغة، ويعمل بطبيعته على نشر تلك اللغة. إن اللاتينية انتشرت بواسطة الديانة المسيحية أكثر مما انتشرت بواسطة الفتوحات الرومانية، واللغة العربية انتشرت بواسطة الدين الإسلامي، أكثر مما انتشرت بحكم السياسة والإدارة.

ومما يظهر علاقة الدين باللغة بوضوح أعظم، أن اللغة عندما تأخذ في التلاشي وتسير نحو الإندراس، تاركةً محلها للغة عامية متفرعة منها، أو للغة أجنبية متغلبة عليها، تجد لنفسها ملجأً أخيراً في المعابد وفي الطقوس الدينية والصلوات. فإن اللغة اللاتينية مثلاً، ما تزال تُردَّد وترتل في الكنائس الكاثوليكية خلال الطقوس الدينية، مع أنها قد خرجت عن نطاق تخاطب الناس، ودخلت في عداد اللغات الميتة منذ عدة قرون، وكذلك الأمر بالنسبة إلى اللغة السريانية.

ولذلك نستطيع أن نقول: إن الدين إذا اتحد مع لغة من اللغات قوَّى جذور تلك اللغة وحافظ على كيانها، أكثر من جميع العوامل الاجتماعية الأخرى.

ومما يلاحظ في سير الوقائع التاريخية، أن الديانة عندما تتفرع إلى مذاهب عديدة، قد تربط مقدرات بعض هذه المذاهب ببعض اللغات بوجه خاص. وتنتشر اللغة المذكورة مع انتشار المذهب الذي تبناها، وتتوسع سيطرة الأمة التي كانت الصاحبة الأصلية للغة المذكورة بفضل هذا الانتشار. فإن الإمبراطورية الرومانية، مثلاً، عندما انشطرت إلى غربية وشرقية، تمذهب كل شطر منها بمذهب مسيحي خاص، وارتبط بلغة خاصة: إن الإمبراطورية الغربية صارت حامية الكاثوليكية، واتخذت اللاتينية لغة لسياستها ولديانتها، بينما الإمبراطورية الشرقية تبنت المذهب الأرثوذكسي، واتخذت اليونانية لغة لسياستها وديانتها، فتقوّى نفوذ اللاتينية بفضل الكاثوليكية، كما أن نفوذ اليونانية انتشر وتقوّى بفضل الأرثوذكسية.

وقد حدث ما يشبه ذلك عند ظهور المذهب البروتستانتي أيضاً: فإن الإصلاح الديني الذي بشر به ودعا إليه لوثر الشهير، لم يكتفِ بإحداث انقلاب مذهبي خطير فحسب، بل أوجد – بجانب هذا الانقلاب المذهبي – انقلاباً سياسياً واجتماعياً خطيراً، لأن الكاثوليكية كانت قد أبقت الإنجيل باللغة اللاتينية وحدها، وجعلت اللاتينية لغة الصلوات كلها. ولكن لوثر حينما ثار على الكاثوليكية – وعلى البابوية التي تمثلها – قائلاً بضرورة ترجمة الإنجيل إلى اللغات المحلية ليتمكن الناس من قراءته وفهمه مباشرة، قد أحدث انقلاباً قومياً في ظل الانقلاب الديني الذي جهر به ودعا إليه، لأنه وضع بذلك حداً لسيطرة اللغة اللاتينية – التي كانت قائمة في أوروبا الغربية على معنوية الإنجيل وسلطته – كما أنه قضى قضاءً مبرماً على نفوذ الأمم اللاتينية، ذلك النفوذ الذي كان يستمد قوته من لغة الصلوات الدينية، وطبيعة التشكيلات البابوية، وفسح بكل ذلك مجالاً واسعاً لجعل المذاهب والكنائس قومية بكل معنى الكلمة.

ومما يبرهن على ذلك برهنة قطعية، ما حدث فعلاً بعد الحروب المذهبية التي استمرت عقوداً طويلة من السنين. فإن الأمم التي كانت تتكلم باللغات اللاتينية، حافظت على كثلكتها، وأعرضت عن المذهب البروتستانتي الجديد، في حين أن الأمم الجرمانية والأنكلوساكسونية أقبلت، بعكس ذلك، على المذهب الجديد إقبالاً عظيماً، ولم يشذ عن هذا التيار من الطرفين إلا جماعات قليلة جداً.

إن مفكري الألمان سعوا إلى إظهار هذا العامل القومي الذي مثّل دوراً هاماً في سير الإصلاح الديني، حتى أن المفكر الشهير فيخته قال في إحدى خطبه الحماسية على لسان رجال الإصلاح الديني، ما مؤداه: "إننا لم نكن ندرك عندئذ الدافع الحقيقي الذي كان يدفعنا في كفاحنا. ولكن الآن صرنا نفهم بكل وضوح: إن الثورة الدينية التي قمنا بها، إنما كانت صفحة من صفحات مقاومتنا لسيطرة الإمبراطورية الرومانية، ومحاولة جديدة للتخلص من تلك السيطرة، والاستقلال عنها...".

وعلى كل حال، فمما لا يمكن أن يختلف فيه اثنان، أن الكنائس البروتستانتية في جميع البلاد الأوروبية اتخذت شكلاً قومياً تماماً.

هذا وقد حدث حادث مماثل لذلك في وقت أقرب من زماننا هذا، وفي بلاد أقرب إلى بلادنا هذه، أعني بذلك ما حدث في البلقان من النزاع الكنائسي في أواسط القرن التاسع عشر. من المعلوم أن المذهب الأرثوذكسي كان اعتمد على النص اليوناني من الإنجيل، وذلك أدى إلى اصطباغ الكنيسة الأرثوذكسية بصبغة يونانية. وهذه الصبغة تقوّت بوجه خاصة في بلاد البلقان، وصارت الكنيسة اليونانية تسيطر على الأمم المسيحية في مقدونيا وبلغاريا سيطرة معنوية شديدة، من الوجهة الدينية، على الرغم من أنها كانت هي بدورها تحت سيطرة الدولة العثمانية من الوجهة السياسية. وحينما أخذ البلغار ينهضون من رقادهم ويتطلعون إلى الاستقلال، وجدوا أنفسهم تحت سيطرتين مختلفتين: سيطرة الدولة العثمانية السياسية، وسيطرة الكنيسة اليونانية الدينية. ولاحظوا أن سيطرة الدولة العثمانية ما كانت تمس كيانهم القومي مباشرة، لأنها ما كانت تتعرض للغتهم الخاصة، في حين أن سيطرة الكنيسة اليونانية كانت تمس كيانهم القومي مباشرة، لأنها كانت تنشر اللغة اليونانية بينهم، كما أنها كانت ترسل الكهنة اليونانيين إلى أحيائهم وتدخلهم إلى صميم عائلاتهم. وذلك كان قد أدى إلى "يوننة" قسم غير قليل منهم. ولهذا بدأت النهضة القومية البلغارية، أولاً بالقيام ضد الكنيسة اليونانية، وضد رجالها اليونانيين، وبمطالبة ملحة بتحويل لغة الصلوات من اليونانية إلى البلغارية، ولتولية شؤون الكنائس والمراتب الدينية رجالاً من البلغار أنفسهم، عوضاً عن اليونانيين الذين كانوا قد احتكروا تلك المراتب احتكاراً.

قام البلغار يطالبون بذلك مطالبة عنيفة، وحينما رأوا إصرار البطريركية اليونانية على إبقاء ما كان على ما كان عليه، لم يترددوا في الانفصال عنها، وأوجدوا كنيسة قومية قائمة بنفسها عرفت باسم "الأكسارخية" وذلك بالرغم من "الحرم" الذي أعلنته البطريركية المذكورة ضد الكنيسة الجديدة.

إن البلغار وضعوا بذلك حداً للخلافات التي كانت تظهر في بلادهم بين السياسة القومية وبين السياسة الدينية، وضمنوا استقلالهم القومي عن الكنيسة اليونانية، قبل أن يتموا استقلالهم السياسي عن الدولة العثمانية.

إني اعتقد أن هذه الأمثلة كافية لإظهار قوة النزعات القومية تجاه الروابط الدينية، وللبرهنة على أن الأديان العالمية نفسها لا تستطيع أن تقضي على النزعات القومية.

***
هذا، ولا بد لي أن أشير إلى ظاهرة اجتماعية أخرى، لإتمام بحثي في علاقة الديانة بالقومية. من المعلوم أن الأمم الحاكمة تسعى إلى نشر لغتها بين أفراد الأمم المحكومة لها، ومن البديهي أن انتشار لغة الحاكمين بين المحكومين قد يؤدي إلى تمثيل هؤلاء تمثيلاً تاماً. (التمثيل، بمعنى الاستيعاب والهضم – الناسخ).

إن الدين يمثل دوراً هاماً خلال النضال الذي يحدث – على هذا المنوال – بين لغة الحاكمين وبين لغة المحكومين أيضاً. فإذا كان الحاكم والمحكوم من دين واحد، يكون التمثيل أسهل، ويتم بسرعة أعظم، متى تهيأت له الدوافع والأسباب؛ أما إذا اختلف الحاكم عن المحكوم في الدين – زيادة على اختلافه في اللغة – فيكون التمثيل أصعب من ذلك بكثير.

إن الفرنسيين الذين كانوا قد اعتنقوا المذهب البروتستانتي ثم هاجروا إلى ألمانيا في عهود الاضطهادات الدينية، اندمجوا بالألمان اندماجاً تاماً، ولم يحافظوا على شيء من مميزاتهم القومية أبداً.

والأتراك والتتر والآسيويون الذين عاشوا تحت حكم القيصرية الروسية حافظوا على لغتهم وقوميتهم بفضل اختلاف دياناتهم عن ديانة الحاكمين عليهم، غير أن من كان قد تنصر منهم لم يلبث طويلاً حتى اندمج بالروس اندماجاً أدى إلى "تروّس" تام.

***

يتبين من كل ما تقدم أن الروابط الدينية لا تخلو من التأثير في الروابط القومية، وتأثيرها هذا قد ينضم إلى تأثير اللغة والتاريخ، فيقوّي الروابط القومية، وقد يخالف التأثير المذكور فيضعف تلك الروابط.

ومهما كان الأمر، فإن الرابطة الدينية وحدها لا تكفي لتكوين القومية، كما أن تأثيرها في تسيير السياسة، لا يبقى متغلباً على تأثير اللغة والتاريخ.

إن هذا التأثير يشتد أو يتراخى، يتقوى أو يتلاشى، حسب تطور علاقة الدين باللغة، ويبقى أمراً ثانوياً في تكوين القوميات بالنسبة إلى تأثير اللغة والتاريخ.

-4-

إننا نستطيع أن نلخص أبحاثنا السابقة بما يلي:

إن العاملين الأساسيين في تكوين القومية هما اللغة والتاريخ.

ونستطيع أن نضيف إلى ذلك ما يأتي:

لا يتغلب عامل من العوامل الاجتماعية على تأثير اللغة والتاريخ في هذا المضمار، سوى عامل الاتصال الجغرافي، لأن فقدان الاتصال الجغرافي قد يؤدي إلى بقاء أجزاء الأمة الواحدة منفصلاً بعضها عن بعض، رغم اتحادها في اللغة والتاريخ. زد على ذلك، أنه قد يؤدي – بمرور الزمن – إلى تباعد وتباين في اللغة والتاريخ أيضاً.

إن هذه النتيجة التي تظهر من تتبع الحوادث الاجتماعية واستعراض الوقائع التاريخية، لم ترق لرجال الدول التي اعتادت أن تحكم بعض الشعوب بالرغم من اختلاف لغاتها وتباين تواريخها، ولذلك مفكرو تلك الدول يبحثون عن نظرية تبرر بقاء الوضع القائم في بلادهم وتوصلوا إلى نظرية جديدة، عرفت باسم مشيئة التعاشر ورغبة الاتحاد.

قالوا إن أهم العوامل التي تمثل دوراً حاسماً في تكوين القومية، هو مشيئة الجماعات في البقاء متحدين، وفي تكوين أمة متحدة ذات شخصية واستقلال.

إنهم عللوا نظريتهم هذه بالملاحظات التالية: من الأمور البديهية أن الروابط القومية هي روابط معنوية، ومن الأمور المسلم بها أن أهم ما في مقومات شخصية الإنسان هو الإرادة والمشيئة. ونستطيع أن نقول لذلك: إن أهم ما في مقومات شخصية الجماعات أيضاً هو الإرادة والمشيئة: إرادة القوم في الحياة المعشرية، رغبتهم في الاتحاد، مشيئتهم في تكوين أمة واحدة ودولة واحدة، هي التي تكوّن روح القومية ومحورها الأساسي. والأمة، إنما هي مجموع الأفراد الذين "يريدون" أن يعيشوا عيشة معشرية، متحدين متضامنين، مؤلفين دولة مستقلة...

ولكن هذه النظرية التي تبدو خلابة للوهلة الأولى، تنهار بسرعة، حينما يتعمق المرء في درس القضية بإنعام: "مشيئة الجماعة" تعبير مجرد تماماً، عن أمر غامض جداً، ذلك لأن هذه "المشيئة" لا تظهر إلا بالتصويت. ومن المعلوم أن التصويت يتأثر كثيراً بالاعتيادات والدعايات، لذلك تتحول بسرعة، وذلك يخرج "الأمة" من عداد "الجماعات الطبيعية"، ويجعلها شبيهة بالأحزاب المصطنعة.

إن أصحاب نظرية "المشيئة" اضطروا لذلك إلى تعديل تعريفهم، وإتمامه بقولهم "المشيئة التي تظهر بصورة فعلية"، ولكن التاريخ يعطينا أمثلة عديدة تكفي لتنفيذ النظرية المذكورة بهذا الشكل المعدل أيضاً: مثلاً، إن الولايات الجنوبية في أمريكا كانت أرادت الانفصال عن ولايات الشمال، وكانت أظهرت إرادتها هذه بصورة فعلية خلال الحروب التي خاضت غمارها ضد الجيوش الشمالية، ومع هذا فإنها لم تؤلف أمة خاصة مستقلة عن الولايات المتحدة الأمريكية.

في الواقع إن أصحاب النظرية المذكورة حاولوا أن يدفعوا أمثال هذه الانتقادات بإضافة قيد جديد على تعريفهم الأساسي، فقالوا: "المشيئة التي تظهر بصورة فعلية وتستمر مدة طويلة". ولكن من البديهي أن تعبير "مدة طويلة" تعبير غامض لا يصلح أن يكون أساساً لنظرية علمية.

وزيادة على ذلك، فإن الرغبة والمشيئة، من الأمور النفسانية التي لا تخلو من دواعٍ وأسباب، والنهج العلمي يتطلب دوماً استكشاف هذه الدواعي واستطلاع تلك الأسباب، فإذا سلمنا ب"أن الأمة هي جماعة من الناس الذين يريدون أن يعيشوا متحدين، وأن يكوّنوا دولة مستقلة" وجب علينا التساؤل في الوقت نفسه:

ما هي الأسباب والعوامل التي تدفع بعض الجماعات إلى مثل هذه الرغبة، وتوّلد فيهم مثل هذه الإرادة؟

لماذا يرغب الأفراد في أن يعيشوا متحدين كأمة متميزة، ولماذا يريدون أن يؤلفوا دولةً مستقلة؟

ما هي العوامل التي تولد في نفوس القوم الرغبة في الاتحاد أو الانفصال والتي تجعلهم يريدون أن يعيشوا متحدين أو متفرقين؟

ولا حاجة للقول إن هذه الأسئلة تعيدنا إلى النقطة التي كنا بدأنا منها درسنا وبحثنا في عناصر القومية، وتوصلنا في آخر الأمر إلى النتيجة التي كنا حصلنا عليها قبلاً.

إن أهم العوامل التي تولد في النفوس رغبة الاتحاد، فتؤدي إلى تكوين القومية وتأليف الأمة، إنما هي: وحدة اللغة والتاريخ.


ذيل

-1-

بمناسبة تعبير وحدة التاريخ الذي استعملته مراراً خلال بحثي هذا أود أن أشير إلى أمر ذي بال:

ماذا يجب أن نفهم من تعبير وحدة التاريخ؟

إن الإجابة عن هذا السؤال إجابة دقيقة من الأمور الصعبة جداً، لأن "وحدة التاريخ" بمعناها المطلق التام، مما لا يتحقق أبداً في حياة أمة من الأمم، ولا دولة من الدول. ففي كل دولة توجد بعض الأقطار التي لم يتحد تاريخها مع تاريخ بقية أقطارها إلا منذ مدة قصيرة؛ توجد بعض الأقطار التي يختلف تاريخها عن تاريخ الأقطار الباقية قليلاً أو كثيراً، وذلك ليس في الدول والأمم التي اتحدت حديثاً فحسب، بل في الدول والأمم التي أتمت وحدتها القومية منذ عدة قرون أيضاً. وإذا أنعمنا النظر في تاريخ فرنسا مثلاً – وهي التي سبقت سائر البلدان الأوروبية إلى تكوين وحدة قومية – وجدنا فيها عدة مقاطعات لم تلتحق بها إلا منذ بضعة قرون، وعلمنا أن قسماً من مقاطعاتها كان قد حارب مقاطعاتها الأخرى حروباً طويلة، استمرت عدة قرون.

فعندما نقول "وحدة التاريخ" يجب ألا نفهم من ذلك "الوحدة التامة في جميع أدوار التاريخ" بل يجب أن نفهم من ذلك "الوحدة النسبية والغالبة التي تتجلى في أهم صفحات التاريخ": أهم صفحات التاريخ التي أوجدت ثقافة الأمة الأساسية، وأعطتها لغتها الحالية، وطبعتها بطابعها الخاص... وإلا لما استطعنا أن نجد أمة واحدة، كانت "موحدة" على طول تاريخها توحيداً تاماً.

فقد قال أحد المفكرين: "على كل أمة أن تنسى قسماً من تاريخها".

أنا لا أشك في أن هذا القول ينطوي على حظ كبير من الحقيقة. فإن الوحدة الحقيقية في أمة من الأمم لا يمكن أن تُضمن إلا بنسيان قسم من الوقائع التي حدثت لها خلال تاريخها الطويل.

هذا، وأرى أن أصرح بأنني عندما أقول نسيان قسم من وقائع التاريخ لا أقصد بذلك حذف أخبار تلك الوقائع من الكتب، بل أقصد من ذلك إهمال تلك الوقائع وإبعادها عن منطقة "الفكر الفعالة" وإخراجها من عداد "الفكر القوانية" وتغليب التاريخ المشترك عليها.

فيجب علينا ألا ننسى أبداً أنه ما من أمة ولا دولة، لا يكون لبعض أقسامها تاريخ خاص، يختلف عن تاريخ أقسامها الأخرى، ولو في بعض الأدوار من تاريخها.

ويجب أن نعلم العلم اليقين، أن التاريخ يعمل عمله الفعّال في تكوين الأمم، على الرغم من أمثال هذه الاختلافات العارضة الطفيفة.

-2-

وبمناسبة قصة تأثير الدين في تكوين القوميات، أود أن ألفت الأنظار إلى أمر جوهري أخر:

ينظر بعض الناس إلى علاقة المسلمين بالمسيحيين في الوطن العربي الآن بمنظار متوارَث من عهود الحروب الصليبية، أو مستعار من عهد الإدارة العثمانية، وإني اعتقد بأن في كلتا النظرتين خطأً فاحشاً جداً.

إن الحروب الصليبية كانت قد حدثت في عهدٍ كان فيه الوعي القومي مفقوداً في كل البلدان، وكان فيه الدين مسيطراً على كل شيء في جميع أنحاء العالم. ومن الواضح الجلي أن الحياة الاجتماعية والسياسية في هذا العصر تختلف عن ذلك اختلافاً كلياً، في العالم الإسلامي وفي العالم المسيحي على حدٍ سواء.

كما أن علاقة المسلم بالمسيحي في الوطن العربي الآن تختلف اختلافاً جوهرياً عما كانت عليه في العهد العثماني، لأن الفرق بين المسلم والمسيحي في الدولة العثمانية لم يكن فرقاً في الدين فحسب، بل كان فرقاً في اللغة والتاريخ والقومية أيضاً، فإن كلمة "مسلم" في الدولة المذكورة كانت تعني – في الدرجة الأولى – التركي، وأما كلمة "مسيحي" فكانت تعني – في الدرجة الأولى – الأرمنى والرومي والبلغاري... ومن المعلوم أن هؤلاء كانوا يختلفون عن الأتراك اختلافاً كلياً، من حيث اللغة والعنصرية والتاريخ أيضاً، إذ كان لكل واحد منهم لغة خاصة يتمسك بها، وتاريخ خاص يدرسه ويتوق إلى إحيائه، وملوك سابقون وفتوحات ماضية يعززون ويمجدون ذكراهم وذكراها على الدوام.

ومن البديهي أن ما حدث في العهد العثماني في ذلك الجو المشبع بأنواع الخلافات لا يمكن أن يحدث في الوطن العربي الآن. تلك الخلافات التي كانت تتحد وتمتزج خلالها النزعات الدينية مع النزعات القومية فتزيدها اضطراماً، لا يمكن أن تحدث في الوطن العربي، حيث يتكلم المسلم والمسيحي بلغة واحدة، ويغنيان ويرتلان ويصليان بلغة واحدة، ويعززان ويمجدان تاريخاً طويلاً واحداً، ويشتركان في تشييد صرح أدب جديد واحد، وثقافة راقية عصرية واحدة.

ولعل تاريخ الثورة العربية أبرز دليل على ذلك وأقوى برهان. هذه حقيقة جوهرية، يجب أن نضعها نصب أعيننا على الدوام.


المعلم
Admin
Admin

عدد المساهمات : 456
تاريخ التسجيل : 29/01/2008
العمر : 59

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mass-media.5forum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: المحاضرة التاسعة - ساطع الحصري

مُساهمة من طرف المعلم في 23/9/2013, 9:38 pm

ساطع الحصري.. فيلسوف القومية العربية

د. ابراهيم العلاف
يعد الاستاذ ساطع الحصري (الملقب أبو خلدون) أهم منظري القومية العربية الذين أرسوا دعائم نظريتها حتى اعتبر «فيلسوف» القومية العربية، فعلى مدى ما يقارب القرن، حمل ساطع الحصري الشاب والكهل والعجوز لواء القومية العربية فكراً وممارسة من مُدخل التربية والتعليم والعمل الفكري والتنظيري، فأسس لنظم تعليم متقدم وألف المناهج المدرسية والجامعية، ناهيك عن عدد كبير من المؤلفات والكتب التي تناولت القومية العربية من جوانبها المتعددة السياسية والاجتماعية والفكرية والنضالية، بحيث أطلق عليه لقب «رائد الوحدة الثقافية العربية».


مولده وأسرته

ولد ساطع الحصري عام 1880م في صنعاء عاصمة اليمن من أبويين سوريين قدما من حلب . وكان والده، محمد هلال الحصري، رئيساً لمحكمة الاستئناف في صنعاء، أما والدته فهي فاطمة بنت عبد الرحمن الحنيفي. وتعود أسرة ساطع الحصري إلى أصول حجازية، وكانت الأسرة قد انتقلت إلى حلب عام 1472م – أي قبل دخول العثمانيين إليها، وفي حلب تلقى والده العلوم الشرعية، وأتم المرحلة الجامعية في الجامع الأزهر بالقاهرة، ثم عين بعد تخرجه قاضياً شرعياً في دير الزور، ثم حماة، قبل أن ينقل إلى صنعاء رئيساً لمحكمة الاستئناف فيها. وقد تنقل الأب بعد ذلك في أرجاء الإمبراطورية العثمانية، فعمل قاضياً في أضنة، ثم في أنقرة، فإلى طرابلس الغرب في ليبيا، ثم أُعيد ثانية إلى اليمن، فإلى قونية في تركيا فثانية إلى طرابلس الغرب.
نشأته وحياته

تنقل ساطع الحصري مع أسرته بين عدة مدن تركية وعربية، وعندما انتقلت وظيفة القاضي الحصري إلى طرابلس الغرب للمرة الثانية سنة 1893م، كان ساطع الذي أتم الدراسة الابتدائية النظامية، قد استطاع بجهده الشخصي واجتهاده الشديد، الانتساب إلى القسم الإعدادي في المدرسة الملكية الشاهانية في الآستانة، فتركته الأسرة المسافرة إلى ليبيا تلميذاً داخلياً في هذه المدرسة، ولكن ساطع لم يكن يرضى لنفسه الاكتفاء بالمحاضرات النظامية التي تلقى عليه، وبالكتب المحددة المطلوبة منه. فقد كان شديد الرغبة بالمعرفة والتقصي، محباً للدراسة والتحصيل، مولعاً بالعلوم الرياضية، مندفعاً وراء كشف دقائقها، فأخذ يلتهم كل ما تقع عليه يده من كتب ومجلات يبحث فيها، مستعيراً من أصدقائه طلاب مدرستي الهندسة والأركان الكتب المقررة عليهم، وبدأ يُعرف بقدرته على حل الصعب من مسائل الرياضيات العالية، فأطلق عليه رفاقه اسم «آرشيمد» (أرخميدس)، واشتهر بهذا الاسم مدة طويلة من الزمن، كما أولع بالعلوم الطبيعية واستهواه تشريح الحيوانات وتحنيطها. وهكذا استطاع ساطع الحصري أن يكمل دراسته العالية في المدرسة الملكية الشاهانية في اسطنبول سنة 1900م بتفوق ملحوظ. ولم يقتصر اهتمام الحصري على العلوم الرياضية والطبيعية والزراعة بل اهتم أيضاً بالعلوم السياسية والحقوقية والنفسية والتربوية والاجتماعية، حتى تخرج حاصلاً على إجازة في العلوم السياسية والإدارية عام 1900م. وكان من أقرانه في ذلك الوقت الزعيمان العربيان السوريان إحسان الجابري وسعد الله الجابري وهما من حلب مثله، وكانا يعيشان معه في تركيا في بيت واحد تحت سقف واحد، فقد كانا وإياه أبناء خالة.

بدأ ساطع الحصري حياته العملية موظفاً في بلاد البلقان، التي تنقل فيها حتى عام 1908م، واطلع على أحوالها التربوية والاجتماعية والسياسية، ودرس حركاتها القومية الناشطة آنذاك. بدأ بالتدريس في ثانوية يانيا الواقعة على الحدود بين اليونان وألبانيا سنة 1901م ومكث فيها خمسة أعوام. استقر بعد ذلك في اسطنبول ليعمل أستاذاً للتربية في دار الفنون، ثم عهد إليه بمركز مدير إدارة مدرسة دار المعلمين، وهي إحدى أهم معاهد استنبول وقتها. وكانت منطلقه الذي استهل منه نشاطه في عالم الفكر والتربية. وخلال فترة تدريسه في المدارس المذكورة، ألف ساطع الحصري عدداً من الكتب المدرسية في العلوم الطبيعية، لعل من أبرزها: «دروس الأشياء»، «معلومات زراعية»، «علم النبات»، «التطبيقات الزراعية». وقد قررت وزارة المعارف العثمانية تدريس مؤلفات ساطع الحصري في مدارسها ومعاهدها الرسمية. وقد انصب هدف ساطع الحصري خلال هذه المرحلة من حياته على مسألتين: الأولى تبسيط العلوم وتحبيب الناس بها، والثانية إدخال علم النفس وعلم التربية إلى دار المعلمين في اسطنبول، وقد بلغ نشاطه في هذا المجال مبلغاً جعل القائمين على التربية هناك يلقبونه «أبو علم التربية التركي».
أسس الحصري مجلة «أنوار العلوم»، وهي مجلة علمية، كما أصدر مجلة تربوية باللغة التركية باسم «تدريسات ابتدائية»، والتي كانت توزع على جميع المدارس الحكومية الموجودة في الولايات العثمانية. كما عقد ساطع الحصري عدة مؤتمرات تربوية للمعلمين ومديري المدارس لمناقشة مختلف أمور التربية والتعليم.
احتل ساطع الحصري بما قام به من تبديل في نظم التربية والتعليم، وبما نشره من مؤلفات ومقالات، مكانة عالية في الدولة العثمانية، وتمتع بمركز مرموق. فقد انتخب عضواً في «جمعية المطبوعات العثمانية» منذ يوم تأسيسها، وكان رئيساً لمؤتمر المطبوعات، وتعتبر هذه الوظيفة من آخر المراكز التي تبوأها ساطع الحصري في العهد العثماني حتى نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1918. وكان ساطع الحصري من موقعه في إطار الدولة العثمانية منخرطاً في سلك جمعية «الاتحاد والترقي»، والحزب التركي الطوراني الذي حمل راية التتريك ضد العرب، وقد نشر عدة مقالات في الدعوة إلى الطورانية والتتريك في مجلة «تورك أوجاني» بتوقيع: م ساطع (أي مصطفى ساطع)، ولكنه في لحظة ما انقلب من موقفه الطوراني ليحمل راية القومية العربية وليجعل من نفسه منظراً لها، رغم لمسة الرطانة في لغته العربية. رغم أن الكثيرين من أصدقائه الأتراك حثوه على البقاء في تركيا للاستفادة من علمه ونشاطه، وعن ذلك قال: «أنا عربي، وعندما انفصل العرب عن الإمبراطورية العثمانية، لم يكن لي خيار سوى الانضمام إليهم».
بعد استقلال سورية عن تركيا وتولي الأمير فيصل الحكم فيها، انتقل ساطع الحصري بأسرته إلى دمشق قادماً من القاهرة عام 1919 ليتولى شؤون التربية فيها، فعينته الحكومة الوليدة مفتشاً عاماً للمعارف ثم مديراً عاماً للمعارف في سورية، ويوم أعلن المؤتمر السوري استقلال سورية وتُوج فيصل بن الحسين ملكاً على سورية بتاريخ 8 آذار1920، وقامت أول حكومة عربية دستورية، تم اختيار الحصري وزيراً للمعارف فيها، كما أصدر مجلة باسم «التربية والتعليم» نشر فيها عدة مقالات تربوية ووطنية.
لازم ساطع الحصري الملك فيصل وعمل معه على بناء أول حكومة عربية أتت كنتيجة للثورة العربية الكبرى، وكان شاهداً على مخططات الاستعمار في تقسيم المنطقة وسقوط الدولة العربية الوليدة. وكان قد شهد من خلال موقعه في الحكم الوطني معركة ميسلون بكل تفاصيلها، خاصة وأن الوزارة كانت قد عهدت إليه بالتفاوض مع الجنرال غورو عقب تقدم جيوشه الغازية نحو سفوح قاسيون، وقد ألف الحصري كتاباً عن شهادته لموقعة ميسلون واستشهاد يوسف العظمة. على إثر ذلك وبعد أن احتل الفرنسيون دمشق، غادر الحصري سورية مع مليكها المبعد عن العرش فيصل الأول، مرافقاً له في رحلاته بين العواصم الأوروبية، ثم لجأ إلى مصر عام 1920م وأقام فيها قرابة عام، انصرف خلالها إلى الأعمال التربوية والتعليمية.
في عام 1921 اتفق ساطع الحصري مع الملك فيصل على الإشراف على العملية التربوية في العراق فرحل إليه وأقام فيه حتى عام 1941م، حيث قام بوضع خطط لإصلاح النظام التعليمي في العراق وأشرف على تطبيقها، وتقلد هناك العديد من المناصب التربوية، أهمها معاون وزير المعارف، ومدير المعارف العام حتى تموز 1927، وأستاذ علم التربية في دار المعلمين العالية في بغداد، ومراقب التعليم العام، وعميد كلية الحقوق ومدير الآثار القديمة، ومراقب التربية والتدريس العام، وأخيراً مدير الآثار العامة. وكان يسعى من خلال مناصبه لخلق سياسة تعليمية قومية وعصرية. وقد لاقت تلك الخطط مقاومة عنيفة من الإنكليز والمتعاونين معهم، ونجح هؤلاء في إقناع الأمير عبد الإله الوصي على الملك فيصل الثاني بخطره، فأسقط عن الحصري الجنسية العراقية وأمر بإخراجه من العراق في 21 حزيران 1941، فتركه الحصري ميمماً صوب لبنان الذي استقر فيه حتى العام 1943 متفرغاً للكتابة والتأليف والنشر.
في العام 1944 دعته الحكومة السورية للعمل مستشاراً فنياً للمعارف مدة ثلاث سنوات، حيث قام بدراسة نظام التعليم فيها بغية إصلاحه، وعمل على هيكلة وزارة المعارف. وفي العام 1945م انتخبه مجمع اللغة العربية في دمشق عضواً تقديراً لمكانته العلمية واعترافاً بما أداه للغة العربية من خدمات.
ثم انتقل بعد ذلك إلى القاهرة فعاش فيها عشرين عاماً، بعد أن دعته وزارة المعارف المصرية سنة 1947 ليعمل أستاذاً في معهد التعليم العالي في القاهرة، وكلفته بمنصب المستشار الفني للإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية عام 1948، وأسس عام 1949 متحفاً للثقافة العربية بالقاهرة، ثم استلم إدارة معهد الدراسات العربية العالية الذي قررت جامعة الدول العربية بمساعيه افتتاحه في القاهرة ونجح في ذلك سنة 1953، كما عُين فيه أستاذاً للقومية العربية، إلا أنه لم يستطع تطبيق جميع ما يدين به من آراء، فاستقال وتفرغ للبحث والتأليف.
وفي سنة 1965 أعيدت إليه الجنسية العراقية فعاد إلى بغداد ليعيش فيها ثلاث سنوات، يكتب ويؤلف وينشر، حتى وافته المنية عام 1968م عن ثمانية وثمانين عاماً.

ساطع الحصري ونظريته في القومية العربية

ركزت معظم كتابات ساطع الحصري على موضوع القومية العربية فكراً وممارسة، إذ قلما نجد كتاباً من كتبه لم يتناول هذا الموضوع إن لم يكن موضوعه الأساسي، وهكذا دارت جل كتابات ساطع الحصري حول شرح نظريته في «القومية العربية» و«الأمة العربية» والتصدي لمعارضيها من العرب وغيرهم. وقد قام الحصري بدراسات وافية حول الفكر القومي عند مختلف الشعوب، ودرس النظريات القومية لديها، كما درس النظريات المعادية للفكر القومي بغية تفكيكها وهزيمتها نظرياً تمهيداً لإقرار نظريته في الأمة العربية. وكان الحصري من المؤمنين إيماناً قطعياً بوحدة الأمة العربية وإشراق شمسها، وكان يقول عن ذلك: «أنا أعتقد أن وحدة التاريخ واللغة ستعمل عملها في العالم العربي حتماً، وستتطور الأمور من جراء ذلك تطوراً ينتهي إلى اتحاد الأقطار العربية عاجلاً أو آجلاً».

أعجب الحصري بالمفكر الألماني فيخته القائل بأن اللغة هي أساس القومية، مستمداً الدليل على نظريته من أمثلة تعود لقيام الوحدة الألمانية بعد التجزئة، وقيام الوحدة الإيطالية، والبولونية وغيرها الكثير. كما علل انحلال الإمبراطوريتين العثمانية والنمساوية باختلاف لغات الشعوب التي كانت تابعة لكل منهما. يؤكد الحصري أن العامل الثاني للقومية يكمن «في وحدة التاريخ لا في وحدة الأصل». وأكد الحصري في مؤلفاته العديدة أن هذين العاملين (اللغة والتاريخ) هما المرتكز الرئيسي للقومية العربية ووحدة الأمة العربية. انطلق الحصري في نظريته من مجموعة من التعريفات، استعملها لمناقشة العوامل المباشرة وغير المباشرة لتكون قومية ما، وتتضمن نظريته تعريفات لمفاهيم مثل الوطن، الوطنية، الأمة، القومية.
فالوطن – حسب الحصري – هو قطعة من الأرض، أما الوطنية فهي ارتباط الفرد بقطعة من الأرض تعرف باسم الوطن. والأمة هي جماعة من البشر، أما القومية فهي ارتباط الفرد بجماعة من البشر تعرف باسم الأمة.
فالقومية كما يراها الحصري هي السمة الطبيعية العريقة للإنسان والمجتمعات الإنسانية، والتطور الكامل للقومية يحول الشعب بالضرورة إلى أمة، والأمة إلى دولة واحدة. والهدف الأخير للقومية يتلخص في تحقيق الوحدة القومية واكتمال الشخصية السياسية بحيث تتطابق الحدود والدولة مع الحدود القومية، وفي هذه الحالة لا تتناقض الوطنية (الولاء للوطن) مع القومية (الولاء للأمة)، أما إذا كانت الأمة مجزأة إلى أكثر من دولة، فتصبح الوطنية موضوع خلاف بين القوميين (الذين يريدون وحدة الأمة)، والوطنيين (الذين يريدون بقاءها مجزأة)، ما يتسبب بانقسام الأمة وهو ما يتناقض مع الشخصية السياسية الكاملة: أمة واحدة في دولة واحدة.
العوامل المباشرة التي تتكون منها القومية:
بحث الحصري في العوامل المباشرة التي تتكون منها القومية، وقد اختار عاملين عدهما أساسيين هما:
1- اللغة المشتركة:
اللغة روح الأمة وحياتها، فالأمة تقوم على أساس موضوعي هو اللغة، ولما كانت الأمة تحدد بلغتها، فهي تشمل جميع الناطقين بهذه اللغة.
وينبع اهتمام الحصري باللغة من اهتمامه بالعوامل الناشئة عن الاجتماع البشري، فيعد اللغة محور العوامل النفسية والاجتماعية والمعبر عنها، فالإنسان يمتاز عن الحيوان بالنطق، ويتميز الإنسان من الإنسان باللغة التي هي وليدة الاجتماع البشري، وعامل من عوامله أيضاً، أي أن هناك علاقة جدلية بين اللغة والمجتمع، تؤثر في فكر الفرد وعواطفه معاً وتخلق نوعاً من التوحيد بينه وبين المجتمع.
وربما جاءت هذه الفكرة لدى الحصري من تجربته في البلقان، حيث أدرك أن ما يفصل العرب والأتراك واليونان والبلغار عن بعضهم ليس الدين – فمعظمهم كانوا مسلمين – بل أصولهم اللغوية والثقافية المختلفة، واستخلص من قتال شعوب البلقان بين بعضها أن فوارق اللغة والثقافة أعمق بين الأمم من فوارق الدين.
2- التاريخ:
يعرف الحصري التاريخ بأنه شعور الأمة وذاكرتها، وإذا ما نسيت أمة تاريخها، فإنها تخسر شعورها ووعيها لذاتها، وهي لن تستعيد وعيها القومي إلا بالعودة إلى تاريخها.


ويميز الحصري بين التاريخ بوصفه وقائع وأحداثاً وبين التاريخ الحي في النفوس والعقول، والنوع الثاني هو الذي تتذكره الأمة وهو الذي يمثل أمجاد الماضي ويخلق الأمل للمستقبل. والتاريخ المشترك أمر مهم، ولكن ليس المقصود بالوحدة التاريخية لمجموع الأمة هو الوحدة التامة في جميع أدوار التاريخ، وإنما الوحدة النسبية والغالبة التي تتجلى في أهم صفحات هذا التاريخ، ما يؤدي بالضرورة إلى نسيان قسم من وقائع التاريخ التي لا تشترك فيها الأمة جميعاً. يقول الحصري في هذا المجال: «فنحن لسنا سجناء ماضينا، إلا إذا أردنا ذلك، وعلى كل أمة أن تنسى جزءاً من تاريخها، ولا تتذكر فيه إلا ما تجد فيه نفعاً لها». هكذا وجد الحصري أن وحدة اللغة ووحدة التاريخ هما أس الأساس في تكوين أمة ما، ويقول في ذلك: «لأن الوحدة في هذين الميدانين هي التي تؤدي إلى وحدة المشاعر والمنازع ووحدة الآلام والآمال ووحدة الثقافة، وبذلك كله تجعل الناس يشعرون بأنهم أمة واحدة متميزة عن الأمم الأخرى»، ويستطرد قائلاً: «الأمة التي تنسى تاريخها، تكون قد فقدت شعورها، وأصبحت في حالة الثبات، وإن لم تفقد الحياة، وتستطيع هذه الأمة أن تستعيد وعيها وشعورها بالعودة إلى تاريخها القومي والاهتمام به اهتماماً فعلياً، ولكنها إذا ما فقدت لغتها، تكون عندئذ قد فقدت الحياة ودخلت في عداد الأموات فلا يبقى سبيل إلى عودتها إلى الحياة فضلاً عن استعادتها الوعي والشعور».

العوامل غير المباشرة في تكوين القومية:
اعتبر الحصري أن العوامل الأساسية التي تربط الأمة هي روابط روحية وفكرية لا مادية، فلم يعلق إلا أهمية ثانوية على العوامل المادية التي رأى أنها لا تؤثر في تشكل القومية بصورة مباشرة، وإنما تؤثر على العاملين الآخرين (أي اللغة والدين)، والعوامل التي تناولها الحصري بالنقد والتحليل ورأى أنها ثانوية هي:
1- المصالح الاقتصادية:
رغم إدراك الحصري لأهمية المصالح الاقتصادية في حياة الأفراد والجماعات، فهو يرى أنها ليست من العناصر المشكلة للقومية، بل إنها قد تسير في اتجاه معاكس للوحدة القومية، فالأحاسيس القومية هو نوع من العواطف يسمو فوق الحسابات النفعية، ويقول عن ذلك: «فلو عمل الناس بمسائل المنفعة دون أن يلتفتوا إلى الأمور العاطفية والمعنوية لتفككت جميع الروابط الاجتماعية من العائلية إلى القومية، ولانحطت البشرية إلى مرتبة دون مرتبة البهائم».
وهكذا يبدو رفض الحصري القاطع للاقتصاد كعامل مكون للقومية، وبرأيه أن الحياة الاقتصادية تتيسر عادة بعد تكوين الدولة القومية، لذا يجب أن تعد من نتائج تكون الأمة واستقلالها لا من عوامل تكوينها.
2- الأصل المشترك:
يرفض الحصري أيضاً نظرية الأصل المشترك (أي الوحدة العرقية للأمة)، لأنه يتناقض مع الحقيقة العلمية والتاريخية، فليس هناك من أمة تستطيع أن تدعي النقاء العرقي. بل كانت فكرة وحدة الأصل تثير القلق لدى الحصري لأنها الأساس الفكري الذي ساعد على قيام الأنظمة الفاشية في أوروبا في القرنين التاسع عشر والعشرين.
3- الإرادة المشتركة:
وهنا يخالف الحصري النظرية الفرنسية التي تقول أن الأمة هي جماعة تريد أن تكون أمة، فالإرادة ليست سبباً، بل هي – حسب الحصري – نتيجة تنبع من القومية.
4- الدين:
لا ينكر الحصري تأثير الدين في المشاعر الإنسانية، فالدين أصيل في طبيعة النفس البشرية، ويشغل الجانب الأكبر من حياة الإنسان الروحية، لكن الأديان الرئيسية (وخصوصاً منها السماوية)، هي في حقيقتها أديان عالمية، أي أنها لا تقتصر على شعب بذاته، وبذلك يرى الحصري أن الدين لا يمكن أن يشكل أساساً للقومية، وهذا بدوره ينزع من المستعمرين إمكانية اللعب بسلاح الطائفية.

ساطع الحصري والعلمانية

كرر ساطع الحصري النظريات الغربية عن القومية باعتبار اللغة والتاريخ المشترك المكونين الأساسيين لتكوين الأمم. وكان يعتبر الدين عنصراً ثانوياً مكملاً مفتتاً بذلك الرابطة الإسلامية التي كانت تقوم عليها الدولة العثمانية. ومع أن ساطع الحصري قد نادى في كل دراساته بدولة قومية علمانية إلا أنه كان يؤكد أن علمانيته لا تعني «اللادينية» كما كان يفهمها كثير من رفاقه، وإنما كان يؤكد على أن الدين بعد شخصي في حياة الفرد. نظر الحصري إلى الإسلام على أنه حركة تجديدية عربية كان لها دورها في صنع تاريخ الأمة العربية، ولكنه يرى أن قراءة التاريخ بأعين معاصرة تؤكد أن دور الدين في العصر الحديث قد غدا ثانوياً أو هامشياً، ومثله مثل الكثير من دعاة القومية حاول ساطع الحصري أن يعيد الاعتبار إلى المرحلة الجاهلية باعتبارها تمثل المهد الذي نشأت فيه الدعوة الإسلامية.
والحصري من الآباء الروحيين لكثير من الأحزاب القومية العربية ومن هنا نجد أن وزارات المعارف والمجامع العربية كانت تفتح له أبوابها من قطر إلى قطر (سورية، العراق، مصر، لبنان، الجامعة العربية) ولم تكن هذه التسهيلات ترتبط بمقدرة الرجل وحسب، بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بموقفه الأصلي من الدولة العثمانية.

ساطع الحصري ودوره التربوي

يعتقد الحصري أن الوحدة العربية وحدة طبيعية، أما ما ساد من تجزئة فهو زائف ومصطنع، وقد اتخذ من التربية سلاحاً استخدمه لنشر الإيمان القومي والوعي القومي والفكر القومي بين أبناء الأمة، في محاولة لإزالة الفوارق والاختلافات بين الأقطار العربية.

وتركز اهتمام الحصري على اللغة العربية، منطلقاً من كونها روح الأمة وحياتها، والتاريخ العربي لأنه ذاكرة الأمة وشعورها، ولم يغفله ذلك عن ضرورة الاهتمام بالعلوم الحديثة من رياضية وطبيعية لتنمية العقل، وإزالة ما علق في العقل العربي لقرون عدة من الإغراق في الكلاميات والخياليات، مشدداً على توسيع آفاق المعرفة والإدراك. وقد نظر الحصري إلى التراث على أنه منطلق للسير قدماً نحو المستقبل في سبيل تحقيق الأهداف القومية، وأنه يجب البناء على العناصر الإيجابية في الماضي للتخطيط نحو المستقبل والسير نحوه، ويرى أن الماضي لا يجوز أن يكون هدفاً يتم التوجه نحوه بغية العودة إليه، بل يجب جعله نقطة استناد في الاندفاع إلى المستقبل.
إصلاحاته التربوية:
في تاريخ الحصري العديد من الإصلاحات التربوية البارزة التي اضطلع بها دعوة وتخطيطاً وتنفيذاً وإشرافاً من أهمها:
في تركيا: تغيير مناهجها وخططها التعليمية، إيفاد بعثات طلابية عثمانية إلى معهد جان جاك روسو في جنيف لتعلم أحدث أساليب التربية والتعليم، إدخال علم النفس لأول مرة إلى دور المعلمين التركية بغية إعداد المعلمين للعملية التربوية، إصدار مجلة تربوية، تأسيس مدارس حديثة، وتأليف عدد من الكتب التعليمية باللغة التركية.
في سورية: اهتم بتعريب التعليم، تأسيس المجمع العلمي العربي، إعداد معجم عربي، وضع نظام للتعليم، وضع تصور لهيكلية وزارة المعارف، افتتاح المعهد الطبي العربي، افتتاح معهد الحقوق، توثيق الصلات الثقافية بين سورية والبلدان العربية، إحداث المعهد العالي للمعلمين، إصدار مجلة تربوية، وتأكيد طرائق التدريس العلمية من استنتاجية واستقرائية.
في العراق: تطهير مناهج التربية من رواسب الثقافة الإنكليزية، إحياء الروح العربية وبث الفكرة القومية في نفوس الناشئة، تشجيع البعثات الأثرية وإنشاء المتاحف ونشر الدراسات المتعلقة بالآثار العربية، إصلاح نظام التعليم الابتدائي، الاهتمام بمناهج الجغرافية والتاريخ، إنشاء مدرسة عربية إلى جانب كل مدرسة أجنبية وتيسير الدخول إليها، السعي لاستقدام الكفاءات من خارج العراق، وتدريس الأناشيد الوطنية والقومية.
في السعودية: دراسة أحوال المعارف ووضع تصور عن إصلاحها بناء على دعوة وجهتها إليه الحكومة السعودية والجامعة العربية عام 1954م.
في مصر: إصدار الحوليات الثقافية، إنشاء متحف الثقافة العربية، إنشاء معهد الدراسات العربية العالية في القاهرة عام 1953، وقد تحول المعهد إلى عهدة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، بعد أن استلمت الأنشطة الثقافية والتربوية التي كانت تقوم بها الأمانة العامة لجامعة الدول العربية منذ عام 1970م.

مؤلفاته وآثاره المطبوعة

ترك ساطع الحصري الكثير من المؤلفات السياسية والتربوية والتاريخية والاجتماعية، تزيد على 30 كتاباً، بالإضافة إلى عدد لا يحصى من المقالات، إلا أن فكرة القومية العربية والدفاع عنها كانت الهاجس الرئيسي في كل ما كتب، ومن أهم مؤلفاته:
1- دراسات عن مقدمة ابن خلدون (جزءان).
2- تقرير لجنة مورنو عن معارف العراق.
3- الإحصاء: محاضرات عن علم الإحصاء.
4- تقارير عن إصلاح المعارف السورية.
5- تقارير عن أحوال المعارف في سورية.
6- يوم ميسلون صفحات من تاريخ العرب الحديث: يتحدث فيه عن معركة ميسلون بالتفصيل والأرقام.
7- أصول التدريس.
8- أصول التدريس، الأصول العامة.
9- هوية الثقافة العربية.
10- محاضرات في نشوء الفكرة القومية.
11- آراء وأحاديث في التربية والتعليم.
12- آراء وأحاديث في القومية والوطنية.
13- آراء وأحاديث في العلم والأخلاق والثقافة.
14- آراء في التاريخ والاجتماع.
15- آراء وأحاديث في القومية العربية.
16- حول الوحدة الثقافية العربية.
17- العروبة أولاً.
18- البلاد العربية والدولة العثمانية.
19- دفاع عن العروبة.
20- آراء وأحاديث في اللغة والأدب.
21- العروبة بين دعاتها ومعارضيها.
22- ما هي القومية؟
23- حول القومية العربية.
24- ثقافتنا في جامعة الدول العربية.
25- أبحاث مختارة في القومية العربية.
26- المذكرات. وهناك كتب أخرى، ربما كانت قيد الطبع، ومعظم كتب الحصري تدور حول التعليم القومية العربية.

ساطع الحصري ووصف موقعة ميسلون

«يوم ميسلون صفحة من تاريخ العرب الحديث» كتاب صادر عن وزارة الثقافة ويتضمن مذكرات كتبت في تلك الأيام للمؤلف ساطع الحصري عن ذاك اليوم الذي لا ينسى.

ومما جاء في مقدمة الكتاب للمؤلف: «إن يوم ميسلون من أخطر الأيام التي سجلها تاريخ الأمة العربية في العصور الحديثة، ففي ذاك اليوم تأسست في الشام أول دوله عربية بعد الحرب العالمية، وعلى الرغم من قصر عمر هذه الدولة فقد كانت عظيمة الدلالة وجليلة الشأن، لأنها كانت وليدة الثورة العربية وقبلة آمالها، ولعظمة ذاك اليوم فقد أسف الكاتب أشد الأسف لأن وقائع ذاك اليوم وتفاصيله لم تنشر على وجهها الصحيح الكامل، والكثير مما نشر عنه جاء مخالفاً للحقيقة مخالفة كبيرة، والسبب في ذلك هو طبيعة الظروف التي أحاطت باليوم المذكور، فقد تسلسلت الوقائع - قبيل ميسلون- بسرعة كبيرة وتعقدت بمفاجآت كثيرة، تعذر منها على معظم شهودها الاطلاع على جميع تفاصيلها، ولكن وجود الكاتب في قلب المسرح حيث كان عضواً في مجلس المديرين (الوزراء) منذ تأليفه حتى الاستقلال، ووزيراً في الوزارتين اللتين تشكلتا بعد الاستقلال وحتى يوم ميسلون، وحيث عهد إليه في الوزارة الثانية مهمة التفاوض مع الجنرال غورو بعد تقدم جيوشه نحو سفوح ميسلون، ثم مرافقته للملك فيصل إلى أورو با بعد خروجه من سورية غداة يوم ميسلون، وتكليفه من قبل الملك بتقديم تقرير قانوني عن القضية السورية بوجه عام وعن يوم ميسلون بوجه خاص لأحد علماء الحقوق الدولية في روما، ولتسهيل أداء هذه المهمة فقد زوده الملك بالوثائق والأوراق الموجودة لديه. هذا ما جعل الكاتب على اطلاع ودراية بما حدث (قبل ويوم وبعد ميسلون) أكثر من أي شخص آخر ولأن حوادث ميسلون لم تكن بنت ساعتها بل كانت صفحة من صفحات القضية السورية والقضية السورية نفسها لم تكن قضية قائمة بذاتها بل جزءاً من القضية العربية ولمعرفة وظهور الحقائق فقد قسم الكاتب الكتاب الى ثلاثة أقسام. القسم الأول: عوامل ومقدمات، وهو عبارة عن تلخيص لما اطلع عليه الكاتب في الكتب والمجلات وفيه تحدث عن أطماع فرنسا في سورية وقد علمت فرنسا أنها ستحظى بسبب ذلك بعقبتين الأولى هي المنافسة الدولية والثانية المقاومة العربية، وقد عملت ما في وسعها لتذليل العقبة الأولى - عن طريق المساومة- أما العقبة الثانية فقد توهمت أن ضربة ميسلون ستكون القاضية عليها ولكنها كانت العكس كما تحدث هذا القسم عن التنازع الدولي حول البلاد العربية (قبل وخلال وبعد) الحرب العالمية الثانية لينتهي هذا القسم بالأحوال الداخلية للبلاد العربية.‏
أما القسم الثاني فكان وقائع ومذكرات يبين الكاتب فيها الحوادث التي شاهدها الكاتب وسجلها بنفسه وتتضمن أزمة الاستبدال وهي الاتفاق بين إنكلترا وفرنسا على استبدال لبعض الجيوش البريطانية بالجيوش الفرنسية من المنطقتين الغربية والشرقية، فالأمة الفرنسية كانت تعتبر عدم تمثيلها في سورية - بعلمها وجيشها - أمراً مخزياً وعاراً كفرار الجندي من ساحة القتال.‏ ثم لتليها أزمة الإنذار والتي كان من شروطها قبول الانتداب الفرنسي وتسريح الجيش، ثم يوم ميسلون والأسبوع الذي تلاه (بين دمشق والكسوة ودرعا).‏ لينتهي القسم بخروج الملك فيصل وحاشيته من سورية وأحداث ما بعد الخروج لينتهي مطاف الملك في العراق.

جداله مع النظريات السائدة في عصره
دفاعه عن عروبة مصر

خاض ساطع الحصري صراعاً فكرياً كبيراً مع أنصار صياغة هوية خاصة لمصر، حيث تعددت مناظراته الفكرية ومجادلاته للدفاع عن القومية العربية، ففي مواجهة دعاة فكرة الإقليمية في مصر، أرجع الحصري تجاهل مصر الاستجابة لقضية القومية العربية قبل الثورة لعاملين:

الأول: هو حالة العزلة التي أحدثها الاحتلال البريطاني.
الثاني: ارتباط بعض النخب في مصر بروابط وولاءات تتنافى مع الروح القومية. وقد اهتم الحصري بالرد على محاولات بعض المفكرين المصريين صياغة هوية ثقافية مصرية خاصة تستند إلى التراث الفرعوني، حيث اعترض على حجج الدكتور طه حسين التي جاءت في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر طابعها وطباعها»، وأنها في نفس الوقت تحتفظ بهوية خاصة فرعونية الجوهر. واستنكر الحصري فكرة فرعونية مصر معللاً ذلك بأنه إذا كانت المشاعر الفرعونية تتأصل في وجدان المصريين فإنه يجب أن يستعيد المصريون لغة الفراعنة وحضارتهم، وأن مصر لايمكن أن تنبذ العروبة الحية تحت دعوى الانتماء إلى حضارة ميتة. أما فيما يتعلق بدعوى الانتماء لإنجلترا فقد دحض تلك الدعوى بتأكيده على أن ما يشد ويربط مصر بدول عربية أقوى مما يربطها بدول البحر الأبيض المتوسط.

مواجهاته مع دعاة الإقليمية المحلية

واجه الحصري دعاة الإقليمية ونظريتهم في «سورية الكبرى والمشرق العربي» وأبرزهم أنطون سعادة - مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي- الذي كان ينفي وجود رابط قومي بين سورية وغيرها من الأقطار العربية التي يصفها بالبداوة على عكس الأقطار السورية في الهلال الخصيب (سورية ولبنان وفلسطين والعراق والأردن) مركزاً على الرباط الجغرافي للهلال الخصيب لتمييزه عن الأقطار العربية الأخرى. فهكذا نجد الحصري يرفض الرباط الجغرافي فقط كأساس للقومية، ويرفض أيضاً التسليم بوجود سمات ومميزات للسوريين (سكان الهلال الخصيب) تختلف عن تلك التي تتسم بها الشعوب الأخرى الناطقة بالعربية، بل أن الحصري كان ينفي تماماً وجود ما يعرف بالإقليم السوري (سورية الكبرى) بمعناه الإداري الحديث حتى عام 1943.
الحصري بين الوحدة العربية والوحدة الإسلامية

على عكس عبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده ورشيد رضا، نجد الحصري يتبنى دعوته من منطلق علماني استناداً إلى اللغة والتاريخ متجاهلاً الرابط الديني أو الإسلامي متبنياً أن فكرة القومية العربية نشأت عند المفكرين المسيحيين قبل المسلمين، وأن المسيحيين ساهموا في بناء الحضارة العربية قبل وبعد الإسلام. وفي مواجهة تصور البعض للقومية العربية على أنها تتنافى مع الإسلام أو الذين يرون في القومية نوعاً من عودة إلى عصبية قد نهى الإسلام عنها أو أولئك الذين ينادون بالوحدة الإسلامية بدلاً من الوحدة العربية نجد الحصري يرى أنه برغم أن فكرة الوحدة الإسلامية تعد أوسع وأشمل من مفهوم الوحدة العربية إلا أنه ليس بالإمكان المناداة بالوحدة الإسلامية قبل المناداة بالوحدة العربية، لذلك نجده يؤكد أن من يعارض الوحدة العربية هو في الحقيقة معارض للوحدة الإسلامية أيضاً.

وفاته

وفي سنة 1965م، عاد إلى العراق وتوفي في بغداد في 23 كانون الأول 1968م، وصلى على جنازته الحاج معتوق الأعظمي في جامع أبو حنيفة، ودفن في مقبرة الخيزران، في الأعظمية، قرب مرقد الشيخ رضا الواعظ.
المراجع

1. ساطع الحصري، يونس ناصر، الموسوعة العربية، المجلد الثامن، دمشق، 2003.
2. مع المفكر العربي ساطع الحصري، مدونة الدكتور إبراهيم العلاف.
3. ساطع الحصري، موقع ديوان العرب.
4. ساطع الحصري يقلب أوراق ميسلون، جمانة سليمان، صحيفة الثورة، دمشق، الثلاثاء 8-3-2005.
5. آراء وأحاديث في التاريخ والاجتماع، ساطع الحصري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1985.


المعلم
Admin
Admin

عدد المساهمات : 456
تاريخ التسجيل : 29/01/2008
العمر : 59

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mass-media.5forum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: المحاضرة التاسعة - ساطع الحصري

مُساهمة من طرف المعلم في 23/9/2013, 9:38 pm


فيلسوف القومية العربية ... ( ساطع الحصري ) .. !

سليمان بن صالح الخراشي

هذه آخر دراسة مختصرة عن إحدى الشخصيات الشهيرة المؤثرة في تاريخ المسلمين أضيفت في موقع الكاشف ؛ وهي عن إمام القومية العربية في هذا العصر " ساطع الحصري " :

هو ساطع بن محمد هلال بن مصطفى الحصري " أبو خلدون " ، ولد في صنعاء من والدين حلبيين في 1297هـ الموافق 1880م ، تعلم في إسطنبول زمن الدولة العثمانية ، فتترك ثم تعرب ! وبقي ضعيفًا في العربية ! . لما انفصلت سوريا عن الحكم العثماني دعته حكومة الملك فيصل بن الحسين " القومية " ليُعين وزيرًا للمعارف ، ولما احتل الفرنسيون سوريا سافر إلى بغداد ليعمل مديرًا لدار الآثار ، ورئيسًا لكلية الحقوق ، ثم أجبر على مغادرة العراق سنة 1941م فعاد إلى سوريا مستشارًا في وزارة المعارف . ثم عهدت إليه جامعة الدول العربية إنشاء معهد الدراسات وإدارته . ألف أكثر من خمسين كتابًا ؛ معظمها في التنظير لفكرة القومية العربية ؛ حتى سمي " فيلسوفها " ، وقد صدرت مجموعة أعماله الكاملة في 3 مجلدات عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت عام 1985م . توفي الحصري عام 1968م .

يُنظر للمزيد عن ترجمته : " الأعلام " للزركلي ( 3/70 ) ، و " دعاة الفكر القومي العربي " لشاكر اليساوي ( ص 9-38) ، و " الجمعيات القومية العربية وموقفها من الإسلام " للدكتور خالد الدبيان ( 1/441-463) ، ومجلة " المستقبل العربي " ( العددان 244و248 مخصصان للحديث عنه ) ، و " ساطع الحصري وفلسفة القومية العربية " لمحمد ناجي عمايره ، ومقدمة أعماله الكاملة .

ويُنظر في الرد عليه وعلى فكرته " القومية الجاهلية " : رسالة الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - " نقد القومية العربية " ، ورسالة " فكرة القومية العربية على ضوء الإسلام " للشيخ صالح العبود ، ورسالة الدكتور الدبيان السابقة .

يقول الأستاذ محمد فاروق الخالدي عن الحصري : ( كان من أبرز دعاة الفكر القومي العلماني الحديث ، ويعتبره القوميون فيلسوف القومية العربية . لقد كان الحصرى هو العقل المفكر لفتنة القومية التي لم يأت منها إلا أننا كنا أمة واحدة هي « أمة محمد صلى الله عليه وسلم » فصرنا جمعية أمم ، وكنا إخوة يجمعنا الحب في ظلال الإيمان ، فصرنا أعداء تفرقنا هذه الدعوة الجاهلية ..

وقد أفسد مناهج سوريا لما دعا بعد الاستقلال لإصلاحها ، إذ كان يُعتبر من السابقين والمربين العرب ، وإن عاش حياته الطويلة ومات وهو لا يحسن العربية لا نطقًا ولا كتابة ! كان من المشتغلين بالتربية من عام 1908م في تركيا ثم في الشام والعراق » (1) .

- لقد كان فكر الحصرى يمثل جاهلية جديدة ، باسم القومية العربية .

كان يستمد نظريته القومية من النظرية الألمانية ، التي تقول باللغة والتاريخ ، وكان من أكبر أساتذته « ماكس مولو » وماكس نوردو ، وهما فيلسوفان يهوديان ، كانا يقصدان من وراء نظريتيهما إحياء القومية اليهودية(2) .

- ومعلوم أن الحصرى قد ربي في تركيا ، وتلقى في شبابه التربية لدى جيل تركيا الفتاة ذات التوجه الطوراني اليهودي (3) .

- وكان الحصرى قد شغل مراكز هامة في وزارة التربية العثمانية ، وصار وزيرًا للتربية في حكومة الملك فيصل بن الحسين ، ثم عين وزيرًا للتربية في العراق .

- وكان الحصرى معروفًا بولائه للمبشرين ، ويرى أن الرابطة القومية أقوى وأعم من الرابطة الإسلامية ، وأن الوحدة الاسلامية باتت حلمًا وخيالاً .. وأن الدين طارئ على الأمة العربية ، وكان همه بعث أمجاد العرب قبل الإسلام ، بل كان يدعو إلى دراسة الحثيين والآشوريين والآراميين والبابليين والعبرانيين ، ويشرح أمجاد هذه الأمم البائدة « من خلال آثارها » تلك الأمم التي أهلكها الله بكفرها ، ويدعو إلى الفخر بتلك الوثنيات وآلهتها المتمثلة بعبقرية والاختراع (4) .

- كان الحصرى لا يرى إقحام الدين في السياسة ! ويجب - عنده - أن تُفسر النصوص الشرعية وتنفذ حسب ظروف الزمان والمكان ، فالنصوص شيء ، والتفسير شيء آخر ، « وما كان يصلح للناس في القرن الأول لا يصلح لغيرهم في القرن الرابع عشر ، وما يناسبنا اليوم ، نحن معشر العرب ، هو أن نعلق هذه النصوص وغيرها » !! (5) . فالحصرى يدعو إلى علمانية متطرفة ، يشجب فيها خط القرآن ، خط الافتخار بحملة لواء العقيدة ، عقيدة الإيمان بالله تعالى ونبذ الأمم الكافرة المعادية لمنهج الله .. وهي نكسة إلى الجاهلية الأولى ..

- وقد نفذ الحصرى مفاهيمه هذه ، منذ أن استلم وزارة المعارف في عهد فيصل بن الحسين 1918م بدمشق ، وفي العراق طيلة عهد فيصل أيضًا .. وقد استطاع أن يعمم هذا الخط عن طريق الجامعة العربية ، وعمله من خلالها ومن الاتفاقيات الثقافية (6) .

- يعتبر فكر الحصري مرجعًا أساسيًا لدى القوميين العرب فيما بعد ، وتعتبر الحركات القومية الحديثة استمرارًا لهذا الفكر ، وتطبيقًا لهذا الانحراف ، طوال النصف الثاني من القرن العشرين ) اهـ " التيارات الفكرية والعقدية .. " ( ص 139- 141) .

- قلتُ : من أقوال الحصري الدالة على قيامه ببناء فكرته على غير هدى الإسلام ؛ قوله : ( الرابطة الدينية وحدها لا تكفي لتكوين القومية ، كما أن تأثيرها في تسيير السياسة لا يبقى متغلبًا على تأثير اللغة والتاريخ ) " آراء وأحاديث في الوطنية والقومية ، ص 41 " .

ومنها : قوله : ( أما الوحدة الإسلامية فمستحيلة التحقيق ؛ لأنها تضم قوميات مختلفة ) !! " مجلة الرسالة ؛ س 7 م 2 العدد 315 " .

وقوله : ( إن الرابطة الوطنية والقومية يجب أن تتقدم على الرابطة الدينية ) . " الأعمال الكاملة 2/74 " .

ولذا قال عنه الأستاذ شاكر اليساوي : ( أما علاقة الدين بالقومية فقد كانت في فكر الحصري علمانية ؛ لأن القومية نفسها فكرة علمانية ) . " دعاة الفكر القومي ، ص 17 " . ويؤكد هذا أنه عندما قيل للحصري في إحدى الحفلات المقامة لتكريمه ! : ( مرحبًا بالمناضل الكبير في خدمة العروبة والإسلام ) رد : ( عرب نعم .. إسلام لا .. أنا لاييك ) ! أي علماني أو لاديني . " شخصيات اختلف فيها الرأي ؛ لأنور الجندي ، ص 74 " .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ذكريات علي الطنطاوي ، جـ1 ، ص65 – 66 ، دار المنارة للنشر ، جدة ، طبعة ثانية 1409هـ - 1989م .
(2) أخطاء المنهج الغربي الوافد : أنور الجندي ص206 ، دار الكتاب اللبناني عام 1974م .
(3) الفكر العربي في عصر النهضة : ألبرت حوراني ، ص371 ، دار النهار - بيروت ، ترجمة كريم عزقول .
(4) ينظر : الحركات القومية الحديثة في ميزان الإسلام : منير محمد نجيب ، مكتبة المنار بالأردن ، ط : ثانية ، 1403هـ . ص9 - 29
(5) العروبة أولاً : ساطع الحصري، بيروت الطبعة الثانية ، 1955م ، ص106
(6) الحركات القومية الحديثة في ميزان الإسلام ، ص23 – 24 ، بتصرف وإيجاز .


المعلم
Admin
Admin

عدد المساهمات : 456
تاريخ التسجيل : 29/01/2008
العمر : 59

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mass-media.5forum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى