منتدى الصحافة والإعلام
أهلاً وسهلاً بك في منتدى الصحافة والإعلام

المحاضرة السادسة

اذهب الى الأسفل

المحاضرة السادسة

مُساهمة من طرف المعلم في 18/9/2013, 12:06 am

المفكر الليبرالى الكبير " الكواكبى " الذى صارع الاستبداد




[rtl]سعى عبد الرحمن الكواكبى الى الحريه بأفضل معانيها ، وسبق عصره بفكره الليبرالى، وكرس فى سبيلها كل ما يملكه من مواهب ادبيه وفكريه ، وضحى من اجلها بكل ما يملك ، ودفع حياته ثمناً لحريته ، ولد فى سوريا سنة 1854 م فى مدينة حلب توفيت امه فى سن السادسه فأرسله والده الى خالته صفيه بنت مسعود النقيب بأنطاكيه ، واقام عندها ثلاث سنوات تعلم خلالها اللغه التركيه والقراءه والكتابه، وعاد الى حلب ليتابع دراسته فى المدرسه الكواكبيه ، الذى كان ابوه مدرساً فيها ، فأتسعت آفاقه بالاطلاع على كنوز المكتبه التى تحتوى على مخطوطات قديمه وحديثه فأطلع على علوم السياسه والمجتمع والتاريخ والفلسفه ،ومنحته هذه الثقافه المنفتحه والتربيه الاسلاميه شخصيه متميزه ، فعندما بلغ الثانيه والعشرين عين محرراً رسمياً لجريدة الفرات وهى الجريده الرسميه التى كانت تصدرها الحكومه العثمانيه بالعربيه والتركيه ، ثم ترك العمل فيها بعد سنتين بسبب معاناته مع الرقابه لكونه لا يمدح السلطه،ثم رأى ان ينشىء صحيفه خاصه به لاعتقاده انه يستطيع الكتابه بحريه فأصدر صحيفة " الشهباء" وطلب الترخيص بأسم صديقه هاشم العطار كى يفوز بموافقة السلطه العثمانيه .، ولم تستمر هذه الصحيفه طويلا وعطلت ثلاث مرات واغلقها الوالى التركى بعدما صدر منها خمسة عشر عدداً فقط ، فلم تستطع السلطه تحمل جرأته فى النقد ، فالحكومه كما يقول الكواكبى نفسه " تخاف من القلم خوفاً من النار" فتابع جهاده الصحفى متخطياً كل الصعوبات التى اعترضت رحلته الشاقه لتأدية رسالته الصحفيه وتوعية القراء والمساهمه فى النهضه الثقافيه ، ومساعدة الدوله على انتظام السياسه وصيانة الحقوق ، والدعوه الى العداله والحريه فى ابداء الآراء ، وتوجيه الإنذارات ، وبسط شكاوى المتظلمين ، وعرض حاجات الجمهور ، واصدار جريدة" الاعتدال" التى عطلتها السلطه ايضاً والغاها الوالى فتابع الكتابه فى صحف عربيه تصدر فى بلدان عربيه وغربيه مثل جريدة " النحله" بنسختيها العربيه والانجليزيه و"الجنان" و"ثمرات الفنون" و" الجوائب" و" القاهره " وغيرها ،ثم تقلد عدة وظائف حكوميه منها عين عضواً فخرياً فى لجنتى المعارف والماليه ، وفى لجنة امتحان المحامين ، ثم مديراً فخرياً لمطبعة الولايه الرسميه ، فرئيساً فخرياً للجنه الاشغال العامه ، فعضواً فى محكمة التجاره بولاية حلب . وكان موضع الثقه والاعجاب لسمو نفسه وسعة مداركه ، سكن الكواكبى فى القاهره بشارع الحسين قرب الازهر ، وعرف فى مصر واشتهر امره عندما نشر كتابه أم القرى الذى سمى نفسه فيه بالسيد الفراتى ، ثم نشر فى جريدة المؤيد القاهريه مقالات عن الاستبداد بأسم مستعار هو (الرحاله ك) ما لبت ان زاد عليها فى كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد . وبتكليف من الخديوى عباس قام الكواكبى بجوله فى شبه الجزيره العربيه وسواحلها والهند ودول شرقى آسيا ، ليحصل على المبايعه له بالخلافه . ويعتبر كتاب " طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" اهم الكتب التى تناولت الاستبداد فى عالمنا العربى ففى هذا الكتاب الذى طبع بعد وفاته ، يقرر الكواكبى ان الاستبداد هو سبب الانحطاط التاريخى للمسلمين ويعتبر أن استبداد الحكومات هو الاخطر على الناس لانها تتحكم فى حياة الفرد وسائر نشاطه وعلى الرعيه العاقله ، كما يقول أن ( تقيد وحش الاستبداد بزمام تستميت دون بقائه فى يدها لتأمن من بطشه ، فإن شمخ هزت به الزمام وإن صال ربطته ، وفى هذا المقدار كفايه لمعرفة ما هو الاستبداد بالإجمال ) . ووصف الكواكبى (المستبد) فى كتابه فقال عنه – المستبد يتحكم فى شئون الناس بإرادته لا بإرادتهم – والمستبد عدو للحق وعدو للحرية وقاتلها – ويود أن تكون رعيته بقراً تحلب وكلاباً تتذلل وتتملق – والمستبد يخاف رعيته كما تخافه رعيته ووصف الحكومه المستبده بأنها سبب فى اختلال نظام الثوره ، فهى تجعل رجال السياسه والدين ومن يلحق بهم يتمتعون بحظ عظيم من مال الدوله .- الحكومه المستبده تغدق على صنائعها ، ومن يعينها على طغيانها . وتيسر للسفله طرق الغنى بالسرقه والتعدى على الحقوق العامة. – والاستبداد يفسد الاخلاق ، ويفسد العقول ، ويعطل الامر بالمعروف والنهى عن المنكر . والاستبداد يفقد الناس ثقة بعضهم البعض ، والاستبداد يحول بين الناس وبين التعاون على الخير ، والاستبداد يفسد التربيه والتعليم ، لأن التربيه الصحية لا تكون فى ظل الاستبداد . ويقول الكواكبى ( الاستبداد صفة للحكومه المطلقة العنان والتى تتصرف فى شئون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب ) ويضيف ( إن المستبدين من السياسين يبنون استبدادهم على اساس من هذا القبيل ايضاً لأنهم يسترهبون الناس بالتعالى الشخصى والتشامخ الحسى ، ويذللونهم بالقهر والقوة وسلب الاموال حتى يجعلوهم خاضعين لهم عاملين لأجلهم كأنما خلقوا من جملة الأنعام نصيبهم من الحياة ما يقتضيه حفظ النوع فقط ) ويرى فى النهايه أن ( أنفع ما بلغه الترقى فى البشر هو إحكامهم اصول الحكومات المنتظمه وبناؤهم سداً متيناً فى وجه الاستبداد وذلك يجعلهم لا قوة فوق الشرع ، ولا نفوذاً لغير الشرع ، والشرع هو حبل الله المتين ، وبجعلهم قوة التشريع فى يد الامه ، والامه لا تجتمع على ضلال ، وبجعلهم المحاكم تحاكم السلطان والصعلوك على السواء) ونرى كأن الكواكبى يعيش معنا اليوم ويرى فساد انظمة الحكم العربية وكأنه يتابع حالة الاحباط التى تعانيها الشعوب بسبب الفساد السياسى فيقول " لقد تمحص عندى ان اصل الداء هو الاستبداد السياسى ، ودواؤه هو الشورى الدستوريه" ويضيف " إن من اقبح انواع الاستبداد : استبداد الجهل على العلم .. واستبداد النفس على العقل " و" خلق الله الانسان حراً ، قائده العقل .. فكفر .. وأبى إلا أن يكون عبداً ، قائده الجهل " و" أن المستبد فرد عاجز لا حول له ولا قوة إلا بأعوانه ، أعداء العدل وأنصار الجور" و"تراكم الثروات المفرطه ، مولد للاستبداد ، ومضر بأخلاق الأفراد " و" الاستبداد أصل لكل فساد" ويقدم الكواكبى تعريفاً دقيقاً لمصطلح (الاستبداد) فيقول :" الاستبداد فى اللغه هو غرور المرء برأيه والأنفه عن قبول النصيحه أو الاستقلال فى الرأى والحقوق المشتركه وفى اصطلاح السياسيين هو تصرف فرد او جمع فى حقوق قوم بالمشيئه وبلا خوف تبعة" ويضيف " المستبد عدو الحق ،عدو الحرية ، وقاتلها والحق أبو البشر والحرية أمهم والعوام صبية أيتام نيام لا يعلمون شيئاً والعلماء هم أخوتهم الراشدون إن أيقظوهم هبوا وإن دعوهم لبوا وإلا قيتصل نومهم بالموت " وقدم الكواكبى فى كتابه مجموعه جديدة من المصطلحات والمفاهيم الحديثه فسبق عصره وعندما تحدث عن " الدستور" و"الحرية السياسيه" و" مجالس النواب " و" الوحدة الوطنية" أو " الاتحاد الوطنى" و" العدالة" و" المساواه " كمطلبين سياسيين ويكاد يتحدث عن " العلمانيه " ويناقش مسألة فصل الدين عن الدولة ، ويقترب من الديمقراطية ، ويلجأ الكواكبى الى مطابقتها بمفهوم "الشورى"فى التراث الاسلامى " الشورى الدستوريه " ويرى الاستاذ العقاد أن الكواكبى استفاد كثيراً فى كتابه من الفيلسوف الايطالى فتوريو الفييرى وكتابه " مقالات فى الاستبداد " وانتشر بين الثوار الايطاليين ، فالكواكبى أخذ عن الفييرى افكاره الرئيسيه وطبقها على المجتمع الاسلامى والعربى . وكلاهما كتب فى تعريف الاستبداد والمستبد وعن الخوف والتملق والطموح ، ثم عن الانحلال والدين والاستبداد القديم والحديث وعن الشرف المزيف والمجد الكاذب ، وعن نفوذ الزوجات فى عهود الاستبداد وعن وسائل مقاومة الاستبداد وعن الشعوب التى لا تحس الطغيان والحكومات التى تركن اليه . ويرى كتاب آخرون أن الكواكبى تأثر فى كتابه بالكتاب الفرنسيين الذين مهدوا للثورة الفرنسية، وخاصة كتاب العقد الاجتماعى لجان جاك روسو. بينما يرى كثير من النقاد ان الواقع العربى هو المصدر الحقيقى لآراء الكواكبى فى الاستبداد والكتاب تنبؤ خطير بمصرع السلطان العثمانى فينتقد الطاغيه السلطان عبد الحميد ، الذى عرفت أيامه بالتعسف والظلم . يقول محمد عماره :- إن الكواكبى أقرب إلى الاصلاح الثورى منه الى الاصلاح " وخلاصة ما انتهى اليه الكواكبى فى كتابه أن الحكومه أياً كان نوعها لا تخرج عن وصف الاستبداد ما لم تكن تحت المراقبة الشديده والمحاسبة ، وأن الأمم المتقدمة لم تصل الى ما وصلت اليه إلا بعد التخلص من الاستبداد. ولذلك اعتبر الكواكبى الاصلاح الاجتماعى نقطة الانطلاق الى اصلاح آخر ، فتناول الاخلاق ، والمرأه ، وقضايا الشباب ، والعلاقات الاقتصاديه ، والتعليم ، فوجد ان الاخلاق الحسنه يجب تنتهى بالنهى عن المنكر ، ودعا الكواكبى الى التعليم ، ووضع كل التسهيلات اللازمه لذلك ، والتركيز على إصلاح اللغه العربية . ولم يكتفى بعرض هذه الافكار وإنما حاول ايجاد برنامج ومنهج لها ووضع الحلول اللازمه والمتمثله عنده بسيادة العداله والحريه والمساواة، والحقوق الشرعيه وتهيئة بديل الاستبداد ، فكان عبد الرحمن الكواكبى واحداً من المفكرين العرب الذين كشفوا عن أسباب الجمود الذى خيم على العالم الاسلامى ، وقارن ذلك بحالة التقدم التى وصل اليها الاوروبيون فى العصور الحديثه ، والتى مكنتهم من الهيمنه على أجزاء واسعة من العالم الاسلامى .ويرى الكواكبى أن جهل المرأه ينعكس على تربية أولادها كما يرى أن النساء أقوى من الرجال ، فالمرأه تملك من الدهاء أكثر مما يملك الرجل ، ويرى أن ترك النساء جاهلات يؤدى إلى انحدار وإنحطاط المجتمع ، ودعا الى ضرورة تعليم المرأة ، وربما يعزى ذلك إلى القيم المبكرة التى غرستها فيه خالته " صفيه" التى تولت تربيته وتعليمه ، وانعكست علاقته الدافئه بالمرأة بشكل مباشرفى افكاره ودعواته .وقد اظهر الكواكبى خلال المناصب والمراتب التى تقلدها كفايه فى الاداره وتعففاً عن المال واخلاصاً للمصلحه العامه وحباً للشعب ودفعاً للظلم وثوره على الاستبداد وكان سلاحه النزاهه والاستقامه والعدل وكان فى كل اعماله يصطم بنظام الدوله ، لنقضه للفوضى والرشوه فحرض الوالى عليه الاشرار فاعتدوا عليه ، واغتصبوا ارضه وضيق الاستبداد الخناق عليه ، حتى اقترض ليعيش بعد ان صودرت كل املاكه واقالته من عمله ، ومنع من مزاولة اى عمل ، ورغم ذلك لم تستطيع السلطه شراؤه بالمناصب ، فرأت ان تتخلص منه بعد ان اصبح شخصيه مؤثره فى العالم العربى كله بسبب مقالاته التى كان يرسلها الى الصحف العربيه لذلك ارسلت اليه شخصاً ملثماً لاغتياله وفعلا طعنه اثناء عودته الى بيته ليلاً ونجا من هذه الحادثه بأعجوبه فقرر الهروب لمصر وهاجر سراً من حلب . واجمعت المصادر أن عبد الرحمن الكواكبى مات مسموماً ، ويقال إن أحد الجواسيس لاحظ انه يبلل اصبعه من لسانه ليتمكن من قلب صفحات الكتاب الذى يقرأه بسهوله ، فأهداه كتاباً وضع سماً على اطرافه او موضوعاً فى قهوته ويقولون ان احد اتباع السلطان العثمانى طار فرحاً عندما تلقى خبر وفاته . وقال بالقراءة أتعبنا وبالقراءة قتلناه وتوفى عام 1902 متأثراً بالسم وامر الخديوى عباس بدفنه على نفقته الخاصه ورثاه الكتاب والشعراء والمفكرون . ومنهم حافظ ابراهيم فقال " هنا رجل الدنيا هنا مهبط التقى ... هنا خير مظلوم هنا خير كاتب . قفوا وأقرأوا " أم الكتاب " وسلموا عليه فهذا القبر قبر الكواكبى [/rtl]
[rtl] [/rtl]

المعلم
Admin
Admin

عدد المساهمات : 456
تاريخ التسجيل : 29/01/2008
العمر : 59

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mass-media.5forum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: المحاضرة السادسة

مُساهمة من طرف المعلم في 18/9/2013, 12:07 am

[rtl]عبد الرحمن الكواكبي[/rtl]
[rtl]هل كان عبد الرحمن الكواكبي, أحد رموز الإصلاح في القرن التاسع عشر علمانياً, يؤيد فصل الدين عن الدولة ؟!" .. هذا هو السؤال, الذي أفرد المفكر المعروف الدكتور محمد عمارة مقدمة طويلة, بلغت نحو ربع الكتاب الذي بين أيدينا, للإجابة عنه وتفنيد مزاعم القائلين به, وهى المقدمة التي أضفت على هذا الإصدار قيمة علمية وثقافية وتاريخية كبيرة, خصوصاً وأن المؤلف هو فارس الحلبة في هذا الميدان .. ميدان دراسة أفكار وآراء وكتابات زعماء الإصلاح في العصر الحديث, وتحليلها وتوثيقها وبالتالي الدفاع عنها, وهو صاحب الأعمال الكاملة لزعماء من أمثال : جمال الدين الإفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا وعبد الرحمن الكواكبي وغيرهم . [/rtl]

المعلم
Admin
Admin

عدد المساهمات : 456
تاريخ التسجيل : 29/01/2008
العمر : 59

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mass-media.5forum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: المحاضرة السادسة

مُساهمة من طرف المعلم في 18/9/2013, 12:08 am

طبائع الاستبداد عند الكواكبي
الجمعة 03-06-2011 م الموافق 1-7-1432 هـ
أ.د. علي أسعد وطفة
 
[rtl]خاص شبكة مساواة للتربية على حقوق الإنسان والثقافة المدنية[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]" هي كلمة حق و صرخة في واد إن ذهبت اليوم مع الريح لقد تذهب غداً بالأوتاد"[/rtl]
[rtl]                         (عبد الرحمن الكواكبي)[/rtl]
[rtl]تتوهج عبقرية الكواكبي وتتجلى في قدرته الهائلة على تحليل طبائع الاستبداد واستكشاف ماهيته وتحديد مساراته واستشراف منعطفاته. فبعد مرور قرن ونيف على رحيل الكواكبي ما زال كتابه المتألق (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) يتقدم على غيره منارة عالية في قدرته على إضاءة تعقيدات الاستبداد السياسي العربي المعاصر، وكأنه الكواكبي يبرهن اليوم على حضوره المظفر كشاهد عيان على ما يفيض به زمننا من أهوال التحولات السياسية رفضا لكل أشكال الاستبداد والإكراه والقمع الذي تمارسه الديكتاتوريات العربية المعاصرة. [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]لقد هزت الثورات الشبابية العربية المظفرة الفكر السياسي العالمي المعاصر، واهتزت لوقعها النظريات السوسيولوجية وسقطت أمامها عنفوانها زيف التصورات والأوهام حول الاستبداد وطبائعه. ولا يستطيع أحد أن ينكر بأن كبار المفكرين وأصحاب النظريات الكبرى قد أصيبوا بحالة من الذهول إزاء الثورات الشبابية العربية الجارفة التي فاجأت مسارات التنبؤ والتوقع والتفكير. ويقينا بأن الفكر العالمي سيعيد النظر في نفسه بطريقة جذرية في ضوء المشهد الثوري العربي الذي تفرد في التاريخ الإنساني الحديث بمعطياته الثورية. [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]لقد وقف المفكرون من مختلف المشارب والاتجاهات في حالة ذهول كبيرة أمام الأحداث العظيمة للثورات العربية المتلاحقة من تونس إلى مصر من اليمن إلى ليبيا وسوريا والبحرين والأردن؛ إذ جاءت إيقاعات هذه الأحداث لتتجاوز عمق النظريات الفكرية الحداثية وما بعدها. فالثورات العربية التي تفجرت ضد الطغيان ستشكل مادة للتفكير والتأمل والتنظير حتى نهاية القرن الحالي وما بعده. ويقينا بأن الثورات العربية الجديدة تعادل من حيث أهميتها وخطورتها الثورات الكبرى التي شهدتها الإنسانية عبر تاريخها مثل الثورة الفرنسية عام 1789، وكومونة باريس 1871، والثورة البلشفية 1917، وثورة الطلاب في فرنسا عام 1968، وهي التي ما زالت تنطوي على أسرار لم تكتشف بعد. [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]فالثورة العربية الشبابية - وحالها لا يختلف عن حال الثورات العالمية الكبرى- تمثل تحولا تاريخيا هاما في تاريخ المنطقة العربية وفي تاريخ العالم. وتتميز الثورات العربية الشبابية المعاصرة بأنها ثورة ضد الاستبداد والطغيان السياسي والاجتماعي في أكثر أشكاله التاريخية فتكا وعنفا وتدميرا ودواما في التاريخ. لقد عُرِفت المنطقة العربية بطابع الاستبداد ، حتى أن المؤرخين كانوا قد ميزوا هذا الاستبداد وخصوه بتسمية الاستبداد الشرقي الذي يتميز بخصائص يندر مثيلها في تاريخ الاستبداد والطغيان في العالم القديم والمعاصر. وقد ذهب كثير من المؤرخين الغربيين إلى القول بأن هذا الاستبداد ينبع من طبيعة المجتمعات الشرقية وهو ملازم لها تاريخيا لا يكون إلا بها ولا تكون إلا به.[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]وفي هذا المقام يجب علينا أن نعترف بأن فهم الثورات العربية المتدفقة وتحليل أبعادها وآفاقها لا يمكن أن يكون إلا بفهم معمق وشامل لطبيعة الاستبداد السياسي والاجتماعي القائم في المنطقة منذ العصور الوسطى حتى يومنا هذا، وإن أية محاولة حقيقة لإدراك طبيعة الثورات العربية سيكون من المحال ما لم يتم عبر فهم عميق لطبيعة الاستبداد بتجلياته وارتساماته التاريخية والاجتماعية. فالاستبداد السياسي يوجد في أصل هذه الثورات، ومن ثمّ أي فإن تحليل هذه الثورات ورسم مساراتها يجب أن يبدأ بفهم شامل ومركّز لطبيعة الواقع السياسي العربي الذي يتصف بأكثر أشكال التسلط والاستبداد حضورا في التاريخ المعاصر. [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]وفي هذا المقام تأتي الضرورة التاريخية لقراءة جديدة معاصرة لعبقرية عبد الرحمن الكواكبي في وصفه لطبائع الاستبداد الشرقي وتحليل مكوناته وآثاره ومساراته بطريقة عبقرية أذهل فيها العلماء والمفكرين والباحثين في مختلف أصقاع العالم. ويقينا بأن العبقرية السياسية للكواكبي تزداد تألقا اليوم في قدرتها على تقديم إضاءة تاريخية للثورات الشبابية العربية ضد كل أشكال القهر والاستبداد والظلم حيث استطاعوا تحقيق معجزتهم التاريخية دكا لحصون القهر وقلاع الاستبداد في بلدانهم. [/rtl]
[rtl]ومن يبحر اليوم في كتاب عبد الرحمن الكواكبي المشهور " طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد " سيجد ضالته المنشودة نحو فهم عميق وشامل لواقع الطغيان وطبيعة الاستبداد العربي المعاصر وإدراك أبعاده وإسقاطاته وتجلياته إدراكا يتصف بالعمق والدقة والشمول. وكأننا بالكواكبي يحلل طبيعة الطغاة المعاصرين ويدون يومياتهم ويحصي حركاتهم وسكناتهم ويصف نواميس استبدادهم. [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl] تتمثل القدرة الهائلة للكواكبي في تحليله لقانونية الطغيان والاستبداد تحليلا سوسيولوجيا يجعله من أكثر المفكرين في العالم قدرة على اكتناه طبائع الاستبداد ومناهله وتحديد ومجرياته وصوغ قانونياته الكونية. ومن يترحل على صفحات كتابه " طبائع الاستبداد" سيمتلك فرصة نادرة اليوم لفهم الواقع العربي بحمولته الاستبدادية وكأن الكواكبي يصف الواقع السلطوي والسياسي العربي اليوم وليس قبل قرن مضى وانصرم من الزمان قبل بداية الثورات العربية. وصدق الكواكبي حين قال في مطلع كتابه " هي كلمة حق و صرخة في واد إن ذهبت اليوم مع الريح لقد تذهب غداً بالأوتاد" نعم إنها كلمة حق تنضح صدقا وحقا وعلما ومن عرفها يذهب بالأوتاد أوتاد الغيبوبة عن حال القاهرين والطغاة في العالم العربي المعاصر. [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]يتناول الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد تعريف الاستبداد وتحديد أسبابه وأعراضه ونذره ودواؤه، ويطرح أسئلة عديدة منها لماذا يكون المستبدُّ شديد الخوف؟ لماذا يستولي الجبن على رعية المستبدّ؟ ما تأثير الاستبداد على الدّين؟ على العلم؟ على المجد؟ على المال؟ على الأخلاق؟ على التَّرقِّي؟ على التّربية؟ على العمران؟ مَنْ هم أعوان المستبدّ؟ هل يُتحمّل الاستبداد؟ كيف يكون التّخلص من الاستبداد؟ بماذا ينبغي استبدال الاستبداد؟[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]الكواكبي ومضة نور في عصر مظلم؟[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl] يعدّ عبد الرحمن الكواكبي أحد أهم رموز الإصلاح وأبرز فرسان النهضة فكريا ونضاليا في القرن التاسع عشر، دفع حياته ثمنا للنضال في سبيل الحرية ومناهضة الاستبداد والاستعباد والظلم والجور في عهد الدولة العثمانية. ولد في حلب من أسرة هاشمية عريقة المجد عام 1854 ثم نبغ في الفقه والدين والقضاء والسياسة، عرف كاتبا وفقيها ومفكرا ومصلحا مناهضا للاستبداد الذي كان سائدا في عصره، وعاش بعد نبوغه متخفيا خوفا من بطش السلطان العثماني ومترحلاً في أصقاع العرض تجنبا لانتقام الطغاة من السلطان العثماني وانتهلا به الحال إلى الاستشهاد على دروب الحرية مقتولا مسموما في مصر العدية عام 1903، وقد دفن عند جبل المقطم وعلى قبره نقش هذا البيتان من الشعر أبدعهما شاعر النيل العظيم حافظ إبراهيم يقول فيها يرثي الكواكبي: [/rtl]
[rtl]هنا رجل الدنيا هنا مهبط التقى              هنا خير مظلوم هنا خير كاتب[/rtl]
[rtl]قفوا واقرؤوا أمّ الكتاب وسلموا                   عليه فهذا القبر قبر الكواكبي[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]وقد أودع الكواكبي عبقريته السياسية في كتابه الخالد (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) ويعد هذا الكتاب من الروائع السوسيولوجية والسياسية التي ظهرت في بداية القرن العشرين، حيث يشكل هذا الكتاب سفرا عبقريا خالدا في وصفه وتحليله لكل التجليات الاستبدادية والاستعبادية في الأنطمة السياسية والاجتماعية القائمة في ذلك العصر. ويكمن عنصر الأهمية والإثارة أن الكتاب يتضمن تحليلا بارعا لما هو قائم اليوم إذ يتيح لنا أن ندرك مختلف التجليات السياسية والاجتماعية والفكرية للاستبداد في نسق منظومي متكامل وكأني بالكتاب يجمع بين دفتيه خلاصات علم السياسة والدين والاجتماع وعلم النفس في فهم قضايا الاستبداد والتسلط والقهر في مختلف المجتمعات الإنسانية القديمة منها والمعاصرة. [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]مفهوم الاستبداد عند الكواكبي:[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]يشكل البحث في أسباب الانحطاط التاريخي للعرب المسلمين الدافع الأساسي للبحث الكواكبي في مسألة الاستبداد، إذ يرى منذ البداية أن الاستبداد هو في أصل الانحطاط وأن الانحطاط يوجد في أصل الاستبداد. يقول الكواكبي في وصف الاستبداد " لو كان الاستبداد رجلاً وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: "أنا الشرُّ، وأبي الظلم، وأمّي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسْكَنة، وعمي الضُّرّ، وخالي الذُّلّ، وابني الفقر، وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب، أما ديني وشرفي فالمال المال المال".[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]يقول الكواكبي في هذا السياق " قد تمحّص عندي أنّ أصل الدّاء هو الاستبداد السّياسي". فالسياسة عند الكواكبي هي «إدارة الشّؤون المشتركة بمقتضى الحكمة» ويكون الاستبداد عندما تتحول السياسة إلى التّصرُّف في الشّؤون المشتركة بمقتضى الهوى. ويعرف الكواكبي الاستبداد بقوله " إن الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان فعلاً أو حكماً، التي تتصرّف في شؤون الرّعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محقَّقَين". وتفسير ذلك هو كون الحكومة إمّا هي غير مُكلّفة بتطبيق تصرُّفها على شّريعة، أو على أمثلة تقليدية، أو على إرادة الأمّة، وهذه حالة الحكومات المُطلقة. أو هي مقيّدة بنوع من ذلك، ولكنّها تملك بنفوذها إبطال قوّة القيد بما تهوى، وهذه حالة أكثر الحكومات التي تُسمّي نفسها بالمقيّدة أو بالجمهورية". [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]وأشدّ مراتب الاستبداد عند الكواكبي " هي حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية". ولنا "أنْ نقول كلّما قلَّ وَصْفٌ منْ هذه الأوصاف؛ خفَّ الاستبداد إلى أنْ ينتهي بالحاكم المنتخب الموقت المسؤول فعلاً. وكذلك يخفُّ الاستبداد ـ طبعاًـ كلّما قلَّ عدد نفوس الرَّعية، وقلَّ الارتباط بالأملاك الثّابتة، وقلَّ التّفاوت في الثّروة وكلّما ترقَّى الشّعب في المعارف. والحكومة من أيّ نوع كانت لا تخرج عن وصف الاستبداد؛ ما لم تكن تحت المراقبة الشَّديدة والاحتساب الّذي لا تسامح فيه، كما جرى في صدر الإسلام". [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]ويبين الكواكبي أن الاستبداد يقوم على أمرين أساسيين هما القوة العسكرية وجهل الأمة " وهما أكبر مصائب الأمم وأهمّ معائب الإنسانية، وقد تخلَّصت الأمم المتمدُّنة ـ نوعاً ماـ من الجهالة، ولكنْ؛ بُليت بشدة الجندية الجبرية العمومية؛ تلك الشّدة التي جعلتها أشقى حياةً من الأمم الجاهلة، وألصق عاراً بالإنسانية من أقبح أشكال الاستبداد". ويهاجم الكواكبي القوة العسكرية للاستبداد فيقول: " وأمّا الجندية فتُفسد أخلاق الأمّة؛ حيثُ تُعلِّمها الشّراسة والطّاعة العمياء والاتِّكال، وتُميت النّشاط وفكرة الاستقلال، وتُكلِّف الأمّة الإنفاق الذي لا يطاق؛ وكُلُّ ذلك منصرف لتأييد الاستبداد المشؤوم: استبداد الحكومات القائدة لتلك القوَّة من جهة، واستبداد الأمم بعضها على بعض من جهة أخرى".[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]ويصف الكواكبي المستبد بقوله: «المستبدّ: يتحكَّم في شؤون النّاس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنَّه الغاصب المتعدِّي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من النَّاس يسدُّها عن النّطق بالحقّ والتّداعي لمطالبته». " إنه " عدوّ الحقّ، عدوّ الحّريّة وقاتلهما، وهو مستعدٌّ بالطّبع للشّر والمستبدّ: يودُّ أنْ تكون رعيته كالغنم درّاً وطاعةً، وكالكلاب تذلُّلاً وتملُّقاً. ومن أقبح أنواع الاستبداد استبداد الجهل على العلم، واستبداد النّفس على العقل، ويُسمّى استبداد المرء على نفسه، وذلك أنَّ الله جلّتْ نعمه خَلَقَ الإنسان حرّاً، قائده العقل، فكفَرَ وأبى إلا أنْ يكون عبداً قائده الجهل". [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]والاستبداد كما يقول " أعظم بلاء؛ لأنَّه وباء دائم بالفتن وجَدْبٌ مستمرٌّ بتعطيل الأعمال، وحريقٌ متواصلٌ بالسَّلب والغصْب، وسيْلٌ جارفٌ للعمران، وخوفٌ يقطع القلوب، وظلامٌ يعمي الأبصار، وألمٌ لا يفتر، وصائلٌ لا يرحم، وقصة سوء لا تنتهي". [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]الاستبداد والدّين والعلم: [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]يفرد الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد بابا عن العلاقة الجدلية بين الدين والاستبداد فيقول: " لقد تضافرت آراء أكثر العلماء النّاظرين في التّاريخ الطّبيعي للأديان، على أنَّ الاستبداد السّياسي مُتَوَلِّد من الاستبداد الدِّيني". ويدرس الكواكبي هذه العلاقة بين الاستبداد الديني والاستبداد السياسي على صورة تشاكل وتكامل إذ يقول: إنَّه ما من مستبدٍّ سياسيّ إلى الآن إلا ويتَّخذ له صفة قدسيّة يشارك بها الله، أو تعطيه مقامَ ذي علاقة مع الله. ولا أقلَّ من أنْ يتَّخذ بطانة من خَدَمَةِ الدِّين يعينونه على ظلم النَّاس باسم الله، وأقلُّ ما يعينون به الاستبداد".  [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]يضيء الكواكبي العلاقة المتناقضة بين العلم والاستبداد، فيرى أن الاستبداد نقيض العلم، وأن العلم نقيض الاستبداد وبأنهما لا يجتمعان حيث تكون العلاقة بينهما كالعلاقة بين الظلام والضياء أو بين الليل والنهار. يقول الكواكبي في هذا الشأن " لا يخفى على المستبدّ، مهما كان غبياً، أنْ لا استعباد ولا اعتساف إلا مادامت الرّعية حمقاء تخبط في ظلامة جهل وتيه عماء، فلو كان المستبدُّ طيراً لكان خفّاشاً يصطاد هوام العوام في ظلام الجهل، ولو كان وحشاً لكان ابن آوى يتلقّف دواجن الحواضر في غشاء الليل، ولكنّه هو الإنسان يصيد عالِمَه جاهلُهُ. والعلم قبسةٌ من نور الله، وقد خلق الله النّور كشّافاً مبصراً، يولّد في النفوس حرارةً وفي الرؤوس شهامةً، العلم نور والظلم ظلام، ومن طبيعة النّور تبديد الظّلام، والمتأمل في حالة كلِّ رئيس ومرؤوس يرى كلَّ سلطة الرئاسة تقوى وتضعف بنسبة نقصان علم المرؤوس وزيادته".[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]ويرى "أن فرائص المستبدُّ ترتعد من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية، والتاريخ المفصّل، والخطابة الأدبية، ونحو ذلك من العلوم التي تُكبر النفوس، وتوسّع العقول، وتعرّف الإنسان ما هي حقوقه وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب، وكيف النّوال، وكيف الحفظ. وأخوف ما يخاف المستبدّ من أصحاب هذه العلوم، المندفعين منهم لتعليم النّاس الخطابة أو الكتابة وهم المعبَّر عنهم في القرآن بالصالحين والمصلحين. [/rtl]
[rtl]والخلاصة التي يصل إليها الكواكبي هي: "أنَّ المستبدّ يخاف العلمَ ويبغضه لأن للعلم سلطاناً أقوى من كلِّ سلطان، فلا بدَّ للمستبدِّ من أن يستحقر نفسه كلما وقعت عينه على من هو أرقى منه علماً. ولذلك لا يحبُّ المستبدُّ أن يرى وجه عالمٍ عاقل يفوق عليه فكراً، فإذا اضطر لمثل الطبيب والمهندس يختار الغبي المتصاغر المتملِّق. وعلى هذه القاعدة بنى ابن خلدون قوله: (فاز المتملقون)، وهذه طبيعة كلِّ المتكبرين، بل في غالب الناس، وعليها مبنى ثنائهم على كلِّ من يكون مسكيناً خاملاً لا يُرجى لخيرٍ ولا لشرٍّ.[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]وينتج مما تقدَّم أنَّ بين الاستبداد والعلم حرباً دائمةً وطراداً مستمراً: يسعى العلماء في تنوير العقول، ويجتهد المستبدُّ في إطفاء نورها، والطرفان يتجاذبان العوام. ومن هم العوام؟ هم أولئك الذين إذا جهلوا خافوا، وإذا خافوا استسلموا، كما أنَّهم هم الذين متى علموا قالوا، ومتى قالوا فعلوا. ويُذلّ العوام بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة، فإذا ارتفع الجهل وتنوَّر العقل زال الخوف، وأصبح الناس لا ينقادون طبعاً لغير منافعهم، كما قيل: العاقل لا يخدم غير نفسه، وعند ذلك لا بدَّ للمستبدِّ من الاعتزال أو الاعتدال. [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]بين الطاغية والحاشية والشعب: [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]يصف الكواكبي العلاقة بين الشعب والمستبد على أنها علاقة مشحونة بالخوف والقلق والحذر فيقول:"إنَّ خوف المستبدّ من نقمة رعيته أكثر من خوفهم من بأسه؛ لأنَّ خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقُّه منهم، وخوفهم ناشئ عن جهل؛ وخوفه عن عجزٍ حقيقي فيه، وخوفهم عن توهّم التخاذل فقط؛ وخوفه على فقد حياته وسلطانه، وخوفهم على لقيمات من النّبات وعلى وطنٍ يألفون غيره في أيام؛ وخوفه على كلِّ شيء تحت سماء ملكه. ويستطرد بالقول " كلما زاد المستبدُّ ظلماً واعتسافاً زاد خوفه من رعيّته وحتّى من حاشيته، وحتى ومن هواجسه وخيالاته. وأكثر ما تُختم حياة المستبدِّ بالجنون التّام. قلت: (التام) لأنّ المستبدَّ لا يخلو من الحمق قطّ، لنفوره من البحث عن الحقائق، وإذا صادف وجود مستبدٍّ غير أحمق فيسارعه الموت قهراً إذا لم يسارعه الجنون أو العته. ويكون خوف الظالم الطاغية من حاشيته كبيرا فالطاغية كما يقول " يخاف من حاشيته؛ لأنَّ أكثر ما يبطش بالمستبدين حواشيهم؛ لأنَّ هؤلاء أشقى خلق الله حياةً، يرتكبون كلَّ جريمةٍ وفظيعة لحساب المستبدِّ الذي يجعلهم يمسون ويصبحون مخبولين مصروعين، يُجهدون الفكر في استطلاع ما يريد منهم فعله بدون أن يطلب أو يصرِّح". [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]" وقصر المستبدِّ في كلِّ زمان هو هيكل الخوف عينه: فالملك الجبار هو المعبود، وأعوانه هم الكهنة، ومكتبته هي المذبح المقدَّس، والأقلام هي السكاكين، وعبارات التعظيم هي الصلوات، والناس هم الأسرى الذين يُقدَّمون قرابين الخوف، وهو أهم النواميس الطبيعية في الإنسان، والإنسان يقرب من الكمال في نسبة ابتعاده عن الخوف، ولا وسيلة لتخفيف الخوف أو نفيه غير العلم بحقيقة المخيف منه، وهكذا إذا زاد علم أفراد الرعية بأنّ المستبدَّ امرؤٌ عاجز مثلهم، زال خوفهم منه وتقاضوه حقوقهم".[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]ويقول أهل النظر: إنَّ خير ما يستبدل به على درجة استبداد الحكومات؛ هو تغاليها في شنآن الملوك، وفخامة القصور، وعظمة الحفلات، ومراسيم التشريفات، وعلائم الأبَّهة، ونحو ذلك من التمويهات التي يسترهب بها الملوك رعاياهم عوضاً عن العقل والمفاداة، وهذه التمويهات يلجأ إليها المستبدُّ كما يلجأ قليل العزِّ للتكبُّر، وقليل العلم للتصوُّف، وقليل الصِّدق لليمين، وقليل المال لزينة اللباس.[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]الاستبداد بين المجد والتمجد: [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]يدرس الكواكبي في هذا الباب العلاقة بين الاستبداد والمجد من جهة وبين المجد والتمجد من جهة ثانية وبين دفتي هذه العلاقة تكمن أسرار الاستبداد وبعضا من طبائعه الخبيثة. والمجد كما يعرفه الكواكبي هو: إحراز المرء مقام حبٍّ واحترام في القلوب، وهو مطلب طبيعي شريف لكلِّ إنسان، لا يترفَّع عنه نبيٌّ أو زاهد، ولا ينحطُّ عنه دنيٌّ أو خامل. للمجد لذَّةٌ روحية ولذا؛ يزاحم المجد في النفوس منزلة الحياة. ويميز الكاتب بين منازل المجد مثل مجد الكرم ومجد الفضيلة، أو بذل النّفس بالتعرُّض للمشاقّ والأخطار في سبيل نصرة الحقِّ وحفظ النِّظام؛ ويُسمى مجد النّبالة، وهذا أعلى المجد؛ وهو المراد عند الإطلاق، وهو المجد الذي تتوق إليه النفوس الكبيرة، وتحنُّ إليه أعناق النبلاء. وكم له من عشاق تلذُّ لهم في حبه المصاعب والمخاطرات، ومن أمثلة المجد قولهم: خلق الله للمجد رجالاً يستعذبون الموت في سبيله، ولا سبيل إليه إلا بعظيم الهمّة والإقدام والثّبات، تلك الخصال الثّلاث التي بها تقدَّر قيم الرجال. ويضرب الكواكبي أمثلة على طلب المجد إذ قيل لأحد النبلاء: "لماذا لا تبني لك داراً؟" فقال: "ما أصنع فيها وأنا المقيم على ظهر الجواد أو في السجن أو في القبر"، وهذه ذات النطاقين (أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها) وهي امرأة عجوز تودِّع ابنها بقولها: "إن كنت على الحقّ فاذهب وقاتل الحجاج حتى تموت". والحاصل كما يقول الكواكبي " أنَّ المجد هو المجدُ محبَّبٌ للنفوس، لا تفتأ تسعى وراءه وترقى مراقيه، وهو ميسَّرٌ في عهد العدل لكلِّ إنسان على حسب استعداده وهمَّته، وينحصر تحصيله في زمن الاستبداد بمقاومة الظّلم على حسب الإمكان".[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]ويقابل المجد، من حيث مبتناه، التمجُّد. وما هو التمجّد؟ " التمجّد هو التقرب من المستبدِّ بالفعل كالأعوان والعمال، أو بالقوة كالملقَّبين بنحو دوق وبارون، والمخاطبين بنحو ربِّ العزة وربّ الصولة، أو الموسومين بالنياشين، أو المطوَّقين بالحمائل، وبتعريفٍ آخر، التمجُّد هو أن ينال المرء جذوة نار من جهنم كبرياء المستبدِّ ليحرق بها شرف المساواة في الإنسانية". وبوصفٍ أجلى: هو أن يتقلّد الرّجل سيفاً من قِبَل الجبارين يبرهن به على أنَّه جلاد في دولة الاستبداد، أو يعلِّق على صدره وساماً مشعراً بما وراءه من الوجدان المستبيح للعدوان، وبعبارة أوضح وأخصر، هو أن يصير الإنسان مستبداً صغيراً في كنف المستبدِّ الأعظم ".[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]وهكذا "يكون المتمجّدون أعداء للعدل أنصاراً للجور، لا دين ولا وجدان ولا شرف ولا رحمة، وهذا ما يقصده المستبدُّ من إيجادهم والإكثار منهم ليتمكَّن بواسطتهم من أن يغرِّر الأمة على إضرار نفسها تحت اسم منفعتها، فيسوقها مثلاً لحرب اقتضاها محض التجبُّر والعدوان على الجيران، فيوهمها أنَّه يريد نصرة الدين، أو يُسرف بالملايين من أموال الأمة في ملذاته وتأييد استبداده باسم حفظ شرف الأمة وأبهة المملكة، أو يستخدم الأمة في التنكيل بأعداء ظلمه باسم أنهم أعداء لها، أو يتصرَّف في حقوق المملكة والأمة كما يشاؤه هواه باسم أنَّ ذلك من مقتضى الحكمة والسياسة".[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]والمستبدُّ " لا يستغني عن أن يستمجد بعض أفراد من ضعاف القلوب الذين هم كبقر الجنة لا ينطحون ولا يرمحون، يتّخذهم كأنموذج البائع الغشاش، على أنّه لا يستعملهم في شيء من مهامه، فيكونون لديه كمصحف في خمّارة أو سبحة في يد زنديق، وربما لا يستخدم أحياناً بعضهم في بعض الشؤون تغليطاً لأذهان العامة في أنَّه لا يعتمد استخدام الأراذل والأسافل فقط، ولهذا يُقال: دولة الاستبداد دولة بُلهٍ وأوغاد.[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]والمستبدُّ يجرِّب أحياناً في المناصب والمراتب بعض العقلاء الأذكياء أيضاً اغتراراً منه بأنّه يقوى على تليين طينتهم وتشكيلهم بالشّكل الذي يريد، فيكونوا له أعواناً خبثاء ينفعونه بدهائهم، ثمَّ هو بعد التجربة إذا خاب ويئس من إفسادهم يتبادر إبعادهم أو ينكّل بهم. ولهذا لا يستقرّ عنه المستبدّ إلا الجاهل العاجز الذي يعبده من دون الله، أو الخبيث الخائن الذي يرضيه ويغضب الله.[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]ومن هنا نشأ اعتماد المستبد غالباً على العريقين في خدمة الاستبداد، الوارثين من آبائهم وأجدادهم الأخلاق المرضية للمستبدّين، ومن هنا ابتدأت في الأمم نغمة التمجّد بالأصالة والأنساب، والمستبدّون المحنّكون يطيلون أمد التجربة بالمناصب الصغيرة فيستعملون قاعدة الترقّي مع التراخي، ويسمّون ذلك برعاية قاعدة القدم، ثمّ يختمون التجريب بإعطاء المتمرّن خدمة يكون فيها رئيساً مطلقاً ولو في قرية، فإن أظهر مهارة في الاستبداد، وذلك ما يسمونه حكمة الحكومة فبها نعمت، وإلا قالوا عنه: هذا حيوان، يا ضيعة الأمل فيه.[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]ولا تكون الحكومة المستبدّة إلا مستبدّة في كل فروعها من المستبدّ الأعظم إلى الشرطي، إلى الفرّاش، إلى كنائس الشوارع، ولا يكون كلُّ صنفٍ إلا من أسفل أهل طبقته أخلاقاً، لأن الأسافل لا يهمهم طبعاً الكرامة وحسن السمعة، إنما غاية مسعاهم أن يبرهنوا لمخدوهم بأنهم على شاكلته، وأنصار لدولته، وشرهون لأكل السقطات من أيٍّ كان ولو بشراً أم خنازير، آبائهم أم أعدائهم، وبهذا يأمنهم المستبدُّ ويأمنونه فيشاركهم ويشاركونه. وهذه الفئة المستخدمة يكثر عددها ويقلُّ حسب شدة الاستبداد وخفّته، فكلما كان المستبدُّ حريصاً على العسف احتاج إلى زيادة جيش المتمجّدين العاملين له المحافظين عليه، واحتاج إلى مزيد الدقّة في اتِّخاذهم من أسفل المجرمين الذين لا أثر عندهم لدينٍ أو ذمّة، واحتاج لحفظ النسبة بينهم في المراتب بالطريقة المعكوسة؛ وهي أن يكون أسفلهم طباعاً وخصالاً أعلاهم وظيفةً وقرباً، ولهذا، لا بدَّ أن يكون الوزير الأعظم للمستبدّ هو اللئيم الأعظم في الأمة، ثم من دونه لؤماً، وهكذا تكون مراتب الوزراء والأعوان في لؤمهم حسب مراتبهم في التشريفات والقربى منه. [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]"والمستبدَّ لا يخرج قطّ عن أنّه خائنٌ خائفٌ محتاجٌ لعصابة تعينه وتحميه، فهو ووزراؤه كزمرة لصوص: رئيس وأعوان. فهل يجوِّز العقل أن يُنتخب رفاق من غير أهل الوفاق، وهو هو الذي لا يستوزر إلا بعد تجربة واختبار عمراً طويلاً؟!"، ووزير المستبدّ هو وزير المستبدّ، لا وزير الأمّة كما في الحكومات الدستورية. كذلك القائد يحمل سيف المستبدّ ليغمده في الرقاب بأمر المستبدّ لا بأمر الأمة، بل هو يستعيذ أن تكون الأمة صاحبة أمر، لما يعلم من نفسه أنَّ الأمّة لا تقلِّد القيادة لمثله.[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]ويتساءل الكواكبي: "كيف يجوز تصديق الوزير والعامل الكبير الذي قد ألف عمراً كبيراً لذّة البذخ وعزّة الجبروت في أنَّه يرضى بالدخول تحت حكم الأمّة، ويخاطر بعرض سيفه عليها فتحلّه أو تكسره تحت أرجلها. أليس هو عضواً ظاهر الفساد في جسم تلك الأمة التي قتل الاستبداد فيها كلَّ الأميال الشريفة العالية فأبعدها عن الأنس والإنسانية؟".[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]والنتيجة أنَّ المستبد فردٌ عاجز لا حول له ولا وقوة إلا بالمتمجدين، والأمة؛ أي أمة كانت، ليس لها من يحكُّ جلدها غير ظفرها، ولا يقودها إلا العقلاء بالتنوير والإهداء والثبات، حتى إذا ما اكفهرَّت سماء عقول بينها قيَّض الله لها من جمعهم الكبير أفراداً كبار النفوس قادة أبرار يشترون لها السعادة بشقائهم والحياة بموتهم؛ حيث يكون الله جعل في ذلك لذتهم، ولمثل تلك الشهادة الشريفة خلقهم، كما خلق رجال عهد الاستبداد فسّاقاً فُجّاراً مهالكهم الشهوات والمثالب. فسبحان الذي يختار من يشاء لما يشاء، وهو الخلاّق العظيم.[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]الاستبداد والأخلاق والمال: [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]يصف الكواكبي العلاقة بين الاستبداد والقيم والمال كما أوردنا أعلاه بقوله: لو كان رجلاً وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: "أنا الشرُّ، وأبي الظلم، وأمّي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسْكَنة، وعمي الضُّرّ، وخالي الذُّلّ، وابني الفقر، وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب، أما ديني وشرفي فالمال المال المال". فالاستبداد " يجعل المال في أيدي الناس عرضةً لسلب المستبدّ وأعوانه وعمّاله غصباً، أو بحجةٍ باطلة، وعرضةً أيضاً لسلب المعتدين من اللصوص والمحتالين الراتعين في ظلِّ أمان الإدارة الاستبدادية. وحيث المال لا يُحصَل إلا بالمشقّة، فلا تختار النفوس الإقدام على المتاعب مع عدم المنِّ على الانتفاع بالثمرة. وهكذا فإن الاستبداد داءٌ أشدُّ وطأةً من الوباء، أكثر هولاً من الحريق، أعظم تخريباً من السّيل، أذلُّ للنفوس من السؤال. داءٌ إذا نزل بقومٍ سمعت أرواحهم هاتف السماء ينادي القضاء القضاء، والأرض تناجي ربّها بكشف البلاء. الاستبداد عهدٌ؛ أشقى الناس فيه العقلاء والأغنياء، وأسعدهم بمحياه الجهلاء والفقراء، بل أسعدهم أولئك الذين يتعجّلون الموت فيحسدهم الأحياء.[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]الاستبداد كما يعلن الكواكبي يؤثر في أكثر الميول الطبيعية والأخلاق الحسنة، فيُضعفها، أو يُفسدها، أو يمحوها، فيجعل الإنسان يكفر بنِعَم مولاه؛ لأنه لم يملكها حقّ الملك ليحمده عليها حقّ الحمد، ويجعله حاقداً على قومه؛ لأنهم عونٌ لبلاء الاستبداد عليه، وفاقداً حبّ وطنه؛ لأنَّه غير آمن على الاستقرار فيه، ويودُّ لو انتقل منه، وضعيف الحبِّ لعائلته؛ لأنه يعلم منهم أنَّهم مثله لا يملكون التكافؤ، وقد يُضطرّون لإضرار صديقهم، بل وقتله وهم باكون. أسيرُ الاستبداد لا يملك شيئاً ليحرص على حفظه؛ لأنَّه لا يملك مالاً غير معرَّض للسّلب ولا شرفاً غير معرَّض للإهانة. ولا يملك الجاهل منه آمالاً مستقبلة ليتبعها ويشقى كما يشقى العاقل في سبيلها. [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]إن أقلُّ ما يؤثّره الاستبداد في أخلاق الناس، أنَّه يرغم حتى الأخيار منهم على إلفة الرّياء والنفاق ولبئس السيّئتان، وإنه يعين الأشرار على إجراء غيّ نفوسهم آمنين من كلِّ تبعة ولو أدبية، فلا اعتراض ولا انتقاد ولا افتضاح، لأنَّ أكثر أعمال الأشرار تبقى مستورة، يلقي عليها الاستبداد رداء خوف الناس من تبعة الشهادة على ذي شرّ وعقبى ذكر الفاجر بما فيه. [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]والاستبداد يُضطرُّ النّاس إلى استباحة الكذب والتحيُّل والخداع والنِّفاق والتذلل. وإلى مراغمة الحسِّ وإماتة النفس ونبذ الجدّ وترك العمل، إلى آخره. وينتج من ذلك أنَّ الاستبداد المشؤوم هو يتولى بطبعه تربية الناس على هذه الخصال الملعونة. بناءً عليه، يرى الآباء أنَّ تعبهم في تربية الأبناء التربية الأولى على غير ذلك لا بدَّ أنْ يذهب عبثاً تحت أرجل تربية الاستبداد، كما ذهبت قبلها تربية آبائهم لهم، أو تربية غيرهم لأبنائهم سدىً.[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]ثمَّ " إنَّ عبيد السلطان التي لا حدود لها هم غير مالكين أنفسهم، ولا هم آمنون على أنَّهم يربّون أولادهم لهم. بل هم يربّون أنعاماً للمستبدّين، وأعواناً لهم عليهم. وفي الحقيقة، إنَّ الأولاد في عهد الاستبداد، هم سلاسل من حديد يرتبط بها الآباء على أوتاد الظلم والهوان والخوف التضييق. فالتوالد من حيث هو زمن الاستبداد حمق، والاعتناء بالتربية حمقٌ مضاعف!". [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]نهاية الاستبداد: [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]يهاجم الكواكبي الاستبداد ويتنبأ بسقوطه ويصف سبل القضاء القضاء عليه، فما له بداية يندثر في نهاية ولا بد للاستبداد من نهاية يسقط فيها المستبدون سقوطا مدويا. ويرى الكواكبي بأن بداية نهاية المستبد تكون بشعور الأمة كلها بآلام الاستبداد فيقول في ذلك " إن الأمَّة التي لا يشعر كلُّها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحقُّ الحريّة". ومن ثم فإن الاستبداد لا يقاوَم بالشِّدة إنما يُقاوم باللين والتدرُّج. ويشترط الكواكبي على أنه يجب على الأمة قبل مقاومة الاستبداد، تهيئة ما يُستَبدَل به الاستبداد.[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]ويذكر الكواكبي المستبدّين بما أنذرهم الفياري المشهور؛ حيثُ قال: "لا يفرحنَّ المستبدُّ بعظيم قوَّته ومزيد احتياطه، فكم جبّارٍ عنيدٍ جُنِّد له مظلومٌ صغير"، وإني أقول: كم من جبّار قهّار أخذه الله أخذ عزيزٍ منتقم.[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]ويؤكد الكواكبي على أهمية المعرفة والعلم في هدم بنيان الاستبداد فيقول " فإذا وُجِد في الأمَّة الميتة من تدفعه شهامته للأخذ بيدها والنهوض بها فعليه أن يبثَّ فيها الحياة وهي العلم؛ أي علمها بأنَّ حالتها سيئة، وإنَّما بالإمكان تبديلها بخيرٍ منها، وينتهي بالتحمُّس ويبلغ بلسان حالها إلى منزلة قول الحكيم المعرّي:[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]إذا لم تقُم بالعدل فينا حكومةٌ     فنحن على تغييرها قُدَراء[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]يرى الكواكبي أنَّ الاستبداد لا يُقاوم بالشدة، إنما يُقاوم بالحكمة والتدريج هو: أنَّ الوسيلة الوحيدة الفعّالة لقطع دابر الاستبداد هي ترقّي الأمَّة في الإدراك والإحساس، وهذا لا يتأتى إلا بالتعليم والتحميس. ويذكر بأن الاستبداد محفوفٌ بأنواعٍ القوات التي فيها قوّة الإرهاب بالعظمة وقوّة الجُند، لا سيما إذا كان الجند غريب الجنس، وقوة المال، وقوة الإلفة على القسوة، وقوّة رجال الدين، وقوّة أهل الثروات، وقوّة الأنصار من الأجانب، فهذه القوات تجعل الاستبداد كالسيف لا يُقابَل بعصا الفكر العام الذي هو في أوَّل نشأته يكون أشبه بغوغاء، ومن طبع الفكر العام أنَّه إذا فار في سنة يغور في سنة، وإذا فار في يوم يغور في يوم. بناءً عليه؛ يلزم لمقاومة تلك القوات الهائلة مقابلتها بما يفعله الثبات والعناد المصحوبان بالحزم والإقدام.[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]والاستبداد لا ينبغي أن يُقاوَم بالعنف، كي لا تكون فتنة تحصد الناس حصداً. نعم؛ الاستبداد قد يبلغ من الشدَّة درجة تنفجر عندها الفتنة انفجاراً طبيعياً، فإذا كان في الأمَّة عقلاء يتباعدون عنها ابتداءً، حتى إذا سكنت ثورتها نوعاً وقضت وظيفتها في حصد المنافقين، حينئذٍ يستعملون الحكمة في توجيه الأفكار نحو تأسيس العدالة، وخير ما تؤسَّس يكون بإقامة حكومة لا عهد لرجالها بالاستبداد، ولا علاقة لهم بالفتنة.[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]ويحدد الكواكبي شروط الثورة الشعبية ضد الاستبداد لأن العوام لا يثور غضبهم على المستبدِّ غالباً إلا عقب أحوال مخصوصة مهيِّجة فورية، منها:[/rtl]
[rtl]1-                      عقب مشهد دموي مؤلم يوقعه المستبدُّ على المظلوم يريد الانتقام لناموسه.[/rtl]
[rtl]2-                      عقب حرب يخرج منها المستبدُّ مغلوباً، ولا يتمكَّن من إلصاق عار التغلُّب بخيانة القوّاد.[/rtl]
[rtl]3-                      عقب تظاهر المستبدِّ بإهانة الدّين إهانةً مصحوبةً باستهزاء يستلزم حدَّة العوام.[/rtl]
[rtl]4-                      عقب تضييق شديد عام مقاضاةً لمالٍ كثير لا يتيسَّر إعطاؤه حتّى على أواسط الناس.[/rtl]
[rtl]5-                      في حالة مجاعة أو مصيبة عامّة لا يرى الناس فيها مواساةً ظاهرة من المستبدّ.[/rtl]
[rtl]6-           عقب عمل للمستبدِّ يستفزُّ الغضب الفوري، كتعرُّضه لناموس العرض، أو حرمة الجنائز في الشرق، وتحقيره القانون أو الشرف الموروث في الغرب.[/rtl]
[rtl]7-                      عقب حادث تضييق يوجب تظاهر قسم كبير من النساء في الاستجارة والاستنصار.[/rtl]
[rtl]8-                      عقب ظهور موالاة شديدة من المستبدِّ لمن تعتبره الأمَّة عدوّاً لشرفها.[/rtl]
[rtl]إلى غير ذلك من الأمور المماثلة لهذه الأحوال التي عندها يموج الناس في الشوارع والساحات، وتملأ أصواتهم الفضاء، وترتفع فتبلغ عنان السماء، ينادون: الحقّ الحقّ، الانتصار للحقّ، الموت أو بلوغ الحقّ.[/rtl]
[rtl]المستبدُّ مهما كان غبياً لا تخفى عليه تلك المزالق، ومهما كان عتياً لا يغفل عن اتِّقائها، كما أنَّ هذه الأمور يعرفها أعوانه ووزراؤه.[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]ويؤكد الكواكبي على أهمية تهيئة ماذا يُستبدل به الاستبداد هو: "إنَّ معرفة الغاية شرطٌ طبيعي للإقدام على كلِّ عمل، كما أنَّ معرفة الغاية لا تفيد شيئاً إذا جهل الطريق الموصل إليها، والمعرفة الإجمالية في هذا الباب لا تكفي مطلقاً، بل لا بدَّ من تعيين المطلب والخطة تعييناً واضحاً موافقاً لرأيِّ الكلِّ، أو الأكثرية التي هي فوق الثلاثة أرباع عدداً أو قوة بأس وإلا فلا يتمّ الأمر، حيث إذا كانت الغاية مبهمة نوعاً، يكون الإقدام ناقصاً نوعاً، وإذا كانت مجهولة بالكليّة عند قسم من الناس أو مخالفة لرأيهم، فهؤلاء ينضمّون إلى المستبدِّ، فتكون فتنةً شعواء، وإذا كانوا يبلغون مقدار الثلث فقط، تكون حينئذٍ الغلبة في جانب المستبدِّ".[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]ثمَّ إذا كانت الغاية مبهمة ولم يكن السير في سبيلٍ معروف، ويوشك أن يقع الخلاف في أثناء الطريق، فيفسد العمل أيضاً وينقلب إلى انتقام وفتن. ولذلك يجب تعيين الغاية بصراحة وإخلاص وإشهارها بين الكافّة، والسعي في إقناعهم واستحصال رضائهم بها ما أمكن ذلك، بل الأَولى حمل العوام على النداء بها وطلبها من عند أنفسهم. والمراد أنَّ من الضروري تقرير شكل الحكومة التي يراد ويمكن أنْ يُستبدل بها الاستبداد، وليس هذا بالأمر الهيّن الذي تكفيه فكرة ساعات، أو فطنة آحاد، وليس هو بأسهل من ترتيب المقاومة والمغالبة. وهذا الاستعداد الفكري النظري لا يجوز أنْ يكون مقصوراً على الخواص، بل لا بدَّ من تعميمه وعلى حساب الإمكان ليكون بعيداً عن الغايات ومعضوداً بقبول الرأي العام.[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]وخلاصة القول أنَّه يلزم أولاً تنبيه حسّ الأمَّة بآلام الاستبداد، ثمَّ يلزم حملها على البحث في القواعد الأساسية للسياسة المناسبة لها؛ بحيث يشغل ذلك أفكار كلِّ طبقاتها، والأولى أن يبقى ذلك تحت مخض العقول سنين، بل عشرات السنين حتى ينضج تماماً، وحتى يحصل ظهور التلهّف الحقيقي على نوال الحرية في الطبقات العليا، والتمنّي في الطبقات السفلى، والحذر كل الحذر من أن يشعر المستبد بالخطر، فيأخذ بالتحذُّر الشديد، والتنكيل بالمجاهدين، فيكثر الضجيج، فيزيغ المستبدُّ ويتكالب، فحينئذٍ إما أن تغتنم الفرصة دولة أخرى فتستولي على البلاد، وتجدِّد الأسر على العباد بقليلٍ من التعب، فتدخل الأمَّة في دورٍ آخر من الرقِّ المنحوس، وهذا نصيب أكثر الأمم الشرقية في القرون الأخيرة، وإمَّا أن يساعد الحظّ على عدم وجود طامع أجنبي، وتكون الأمَّة قد تأهَّلت للقيام بأن تحكم نفسها بنفسها، وفي هذه الحال يمكن لعقلاء الأمَّة أن يكلِّفوا المستبدَّ ذاته لترك أصول الاستبداد، واتِّباع القانون الأساسي الذي تطلبه الأمة. والمستبدُّ الخائر القوى لا يسعه عند ذلك إلا الإجابة طوعاً، وهذا أفضل ما يصادَف. وإن أصرَّ المستبدُّ على القوّة، قضوا بالزوال على دولته، وأصبح كلٌّ منهم راعياً، وكلٌّ منهم مسؤولاً عن رعيته، وأضحوا آمنين، لا يطمع فيهم طامع، ولا يُغلبون عن قلّة، كما هو شأن كلِّ الأمم التي تحيا حياةً كاملة حقيقية، بناءً عليه؛ فليبصَّر العقلاء، وليتَّقِ الله المغرون، وليعلم أنَّ الأمر صعب، ولكن تصوُّر الصعوبة لا يستلزم القنوط، بل يثير همم الرجل الأشمّ.[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]الخلاصة: [/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]هذا غيض فيض من عبقرية الكواكبي التي تجلت في كتابه الفريد طبائع الاستبداد، فكل كلمة في هذا الكتاب تعادل وزنها ذهبا لمن يعرف مكامن العظمة في الكلّم. وسيبقى هذا الكتاب تراثا فكريا حيّا لا تقدر كلماته وأحكامه بثمن لما ورد فيه من تعرية سوسيولوجية لطبيعة الاستبداد وتجلياته. ولست في موقع الناصح أريد القول بأن قراءة هذا الكتاب في ضوء الأحداث المعاصرة تحمل قيمة عظيمة يدركها أصحاب النفوس العظيمة وأولي الألباب ، وليس لي إلا أن أذكّر القراء الكرام بأهمية قراءة هذا الكتاب والتأمل فيه من أجل إدراك أعمق واشمل لواقع الاستبداد في الحياة السياسية العربية وفهم السبل والإمكانيات التي تضعنا على طريق الرفض الشامل لكل أشكال الاستبداد من أجل الكرامة الإنسانية، ومن أجل النهضة الحضارية الإنسانية الشاملة في مجتمعاتنا التي هي أحوج ما تكون اليوم إلى ديمقراطية متدفقة بمعاني الحرية والكرامة الإنسانية. [/rtl]
[rtl] [/rtl]
http://www.musawah.net/news/item.php?id=1323

المعلم
Admin
Admin

عدد المساهمات : 456
تاريخ التسجيل : 29/01/2008
العمر : 59

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mass-media.5forum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: المحاضرة السادسة

مُساهمة من طرف المعلم في 18/9/2013, 12:09 am

[rtl]طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد:[/rtl]
[rtl] كتاب من تأليف عبد الرحمن الكواكبي، يشخص الكاتب ما يسميه داء الاستبداد السياسي، ويصف أقبح أنواعه: استبداد الجهل على العلم واستبداد النفس على العقل. ويقول أن خلق الله الإنسان حرّا، قائده العقل فكفر وأبى إلا أن يكون عبدًا قائده الجهل، ويرى إن المستبد فرد عاجز، لا حول له ولا قوة إلا بأعوانه أعداء العدل وأنصار الجور. وأن تراكم الثروات المفرطة، مولد للاستبداد، ومضر بأخلاق الأفراد. وأن الاستبداد أصل لكل فساد، فيجد أن الشورى الدستورية هي دواؤه. كتب الكواكبي رؤوس مقالات "طبائع الاستبداد" في حلب، وكان يعدلها باستمرار، ثم وسع تلك الأبحاث ونشرها في هذا الكتاب.[/rtl]

المعلم
Admin
Admin

عدد المساهمات : 456
تاريخ التسجيل : 29/01/2008
العمر : 59

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mass-media.5forum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: المحاضرة السادسة

مُساهمة من طرف المعلم في 18/9/2013, 12:12 am

ملخص ما جاء في كتاب كتاب طبائع الاستبداد
• أفضل الجهاد كلمة عدل تُقال عند سلطان جائر .
• حياة الأسير تشبه حياة النائم المزعوج بالأحلام، فهي حياة لا روح فيها .
• إن المدارس تقلل الجنايات، لا السجون .
• الإستبداد يقلب السير من الترقي إلى الإنحطاط .
• الجهل عدو العلم .
• إن خوف المستبد من نقمة رعيته أكثر من خوفهم بأسه .
• كلما زاد المستبد ظلماً واعتسافاً زاد خوفه من رعيته وحتى
من حاشيته، وربما من هواجسه وخيالاته...
• الإستبداد اصل لكل فساد .
• أنا إنسان الجد والإستقبال لا إنسان الماضي والحكايات .
• الأمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية.
• الاستبداد لا يُقاوم بالشدة إنما يُقاوم باللين والتدرج.
• يجب قبل مقاومة الإستبداد تهيئية ماذا يُستبدل به الإستبداد.

المعلم
Admin
Admin

عدد المساهمات : 456
تاريخ التسجيل : 29/01/2008
العمر : 59

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mass-media.5forum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: المحاضرة السادسة

مُساهمة من طرف المعلم في 18/9/2013, 12:13 am

عبد الرحمن الكواكبي
حياته
ولد عبد الرحمن الكواكبي عام 1854 في ولاية حلب، والده السيد أحمد بهائي بن محمد بن مسعود الكواكبي، وأحد أجداده (إسماعيل الصفوي) مؤسس الأسرة الصفوية الشيعية في تبريز، والتي حكمت إيران قرابة قرن ونصف من الزمان.
جاء السيد أحمد بهائي مهاجراً من بلاد فارس إلى حلب، حيث تزوج من سيدة حلبية أنجبت نسل الأسرة الكواكبية، كان علمه واسعاً مما جعل منه حجة في علم الميراث، وأميناً لفتوى الولاية مدة من الزمن، وعضواً بمجلس إدارة الولاية وقاضياً لها، ومستودع سر الناس ومحرر عقودهم وصكوك معاملاتهم. كان خطيباً وإماماً في مسجد جده (أبي يحيى)، ومديراً ومدرساً بالمدرسة الكواكبية، والمدرسة الشرقية والجامع الأموي بحلب.

أما أم عبد الرحمن فهي السيدة عفيفة بنت مسعود آل النقيب، ابنة مفتي أنطاكية، توفيت عند بلوغ الكواكبي السادسة من عمره، فاحتضنته خالته ثلاثة أعوام عندها بمدينة أنطاكية، وكانت سيدة فاضلة استفاد الكواكبي من كبر عقلها ونفسها الشيء الكثير، كما قامت بتعليمه اللغة التركية، وفي أنطاكية تتلمذ الكواكبي على يد عم أمه السيد (نجيب النقيب) الذي شغل منصب الأستاذ الخاص للأمير المصري الخديوي عباس حلمي الثاني.

درس عبد الرحمن الكواكبي في المدرسة الكواكبية في حلب، حيث كان أبوه مديراً ومدرساً فيها، فدرس العلوم العربية والشرعية إلى جانب المنطق والرياضة والطبيعة والسياسة، كما أحب قراءة المترجمات عن اللغة الأوروبية، وبعد تخرجه من المدرسة الكواكبية ونيله الإجازات وأعلى الشهادات، اشتغل بالتدريس مدة وكان عمره عشرين سنة.


ولما كانت الصحافة وسيلة ومنبراً رفيعاً من منابر الإصلاح، فقد كتب الكواكبي في صحيفة الفرات التي كانت تحرر بالعربية والتركية، وأنشأ صحيفة (الشهباء) مع السيد هاشم العطار، وأخذت مقالاته النارية العميقة توقظ ضمائر مواطنيه، وتفضح الاستبداد آنذاك، فأغلقها الوالي العثماني (كامل باشا). ولم يستسلم الكواكبي فأنشأ جريدة الاعتدال، وواصل فيها تقديم آرائه وأفكاره، لكنها هي الأخرى أغلقتها الحكومة لجرأة صاحبها في انتقاد سياستها.

في سنة 1879 عُين الكواكبي عضواً فخرياً في لجنة المعارف، ولجنة المالية في ولاية حلب، كما عُين عضواً في لجنة الأشغال العامة، ثم أخذت أعماله ومسئولياته تمتد إلى العديد من اللجان والمناصب في مجموعة كبيرة من القطاعات، منها تعيينه عضواً في لجنة المقاولات، ورئاسة قلم المحضرين في الولاية، وعضوية اللجنة المختصة بامتحان المحامين. ثم أصبح مديراً فخرياً للمطبعة الرسمية بحلب، ثم الرئيس الفخري للجنة الأشغال العامة ثم دخل إلى ساحة القضاء عضواً بمحكمة التجارة بالولاية بأمر من (وزارة العدلية) العثمانية، عًين رئيساً للغرفة التجارية ورئيساً للمصرف الزراعي، ثم عُين رئيساً لكتاب المحكمة الشرعية بالولاية، وفي سنة 1896 أصبح رئيساً لكل من غرفة التجارة ولجنة البيع في الأراضي الأميرية.

رحل إلى مصر واستقر هناك وكتب في كثير من الصحف المصرية والعربية. ساح في سواحل أفريقيا الشرقية وسواحل آسيا الغربية وبعض بلاد العرب والهند حتى سواحل الصين، وكان في كل بلد ينزلها يدرس حالتها الاجتماعية والاقتصادية في مختلف المجالات.

يعتبر الكواكبي رائداً من رواد التعليم، حيث دعا إلى إصلاح أصول تعليم اللغة العربية والعلوم الدينية وتسهيل تحصيلها والجد وراء توحيد أصول التعليم وكتب التدريس، وقدم الكثير من الأسس لاعتمادها في مجال التربية والتعليم، ودعا إلى فتح باب محو الأمية، وبين دور المدارس في إصلاح المجتمع. كما ركز على أهمية تعليم المرأة كي تجيد رسالتها في الحياة.

كما يعتبر الكواكبي أحد أعلام الحركة الإصلاحية، فوجه جهوده إلى العمل الأخلاقي، وكافح العادات السيئة والتقاليد البالية، ونقد المعتقدات الفاسدة، وبذل السعي المتواصل لنشر الفضائل والتمسك بها للنهوض بأخلاق المجتمع، فقام بتشكيل الجمعيات والنوادي في القرى والمدن لتقوم بدور التوعية والتثقيف للجمهور، كما رد فساد الأخلاق إلى انحلال الرابطة الدينية والاجتماعية وفقد التناصح وغياب الأخلاق (فلمثل هذا الحال لا غرو أن تسأم الأمة حياتها فيستولي عليها الفتور، وقد كرت القرون وتوالت البطون ونحن على ذلك عاكفون، فتأصل فينا فقد الآمال وترك الأعمال والبعد عن الجد والارتياح إلى الكسل والهزل، والانغماس في اللهو تسكيناً لآلام أسر النفس والإخلاد إلى الخمول والتسفل طلباً لراحة الفكر المضغوط عليه من كل جانب... إلى أن صرنا ننفر من كل الماديات والجديات حتى لا نطيق مطالعة الكتب النافعة ولا الإصغاء إلى النصيحة الواضحة، لأن ذلك يذكرنا بمفقودنا العزيز، فتتألم أرواحنا، وتكاد تزهق روحنا إذا لم نلجأ إلى التناسي بالملهيات والخرافات المروحات، وهكذا ضعف إحساسنا وماتت غيرتنا، وصرنا نغضب ونحقد على من يذكرنا بالواجبات التي تقتضيها الحياة الطيبة، لعجزنا عن القيام بها عجزاً واقعياً لا طبيعياً). أم القرى

كان عبد الرحمن الكواكبي واحداً من المفكرين العرب الذين كشفوا عن أسباب الجمود الذي خيم على العالم الإسلامي، وقارن ذلك بحالة التقدم التي وصل إليها الأوربيون في العصور الحديثة، والتي مكنتهم من الهيمنة على أجزاء واسعة من العالم الإسلامي.

قال في كتابه أم القرى: (إن مسألة التقهقر بنت ألف عام أو أكثر، وما حفظ عز هذا الدين المبين كل هذه القرون المتوالية إلا متانة الأساس، مع انحطاط الأمم السائرة عن المسلمين في كل الشؤون، إلى أن فاقتنا بعض الأمم في العلوم والفنون المنوَّرة للمدارك، حزبت قوتها فنشرت نفوذها على أكثر البلاد والعباد من مسلمين وغيرهم، ولم يزل المسلمون في سباتهم إلى أن استولى الشلل على كل أطراف جسم المملكة الإسلامية.

نشر الكواكبي آراءه وأفكاره في أهم كتابيه، أم القرى: وهو كتاب يدور موضوعه حول مؤتمر تخيله الكواكبي ليعرض فيه آراءه الإصلاحية في قالب جذاب يستهوي النفوس، وأغلب مواضيعه في نقد الشعوب الإسلامية.

أما كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، مواضيعه في نقد الحكومات الإسلامية (الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان؛ التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء؛ بلا خشية حساب ولا عقاب). (ويقولون إن المستبدين من السياسيين يبنون استبدادهم على أساس من هذا القبيل أيضاً؛ لأنهم يسترهبون الناس بالتعالي الشخصي والتشامخ الحسي، ويذللونهم بالقهر والقوة وسلب الأموال حتى يجعلونهم خاضعين لهم عاملين لأجلهم، كأنما خلقوا من جملة الأنعام نصيبهم من الحياة ما يقتضيه حفظ النوع فقط). (أنفع ما بلغه الترقي في البشر هو إحكامهم أصول الحكومات المنتظمة، وبناؤهم سداً متيناً في وجه الاستبداد وذلك بجعلهم لا قوة فوق الشرع، ولا نفوذاً لغير الشرع، والشرع هو حبل الله المتين، وبجعلهم قوة التشريع في يد الأمة، والأمة لا تجتمع على ضلال، وبجعلهم المحاكم تحاكم السلطان والصعلوك على السواء.

في عز العطاء والنضال، ويوم نضجت أفكار الكواكبي وبدأ عطاؤه وتأثيره الذي وجد فيه الأتراك معولا يدك تسلطهم، وينبه الناس إلى فساد أحوالهم، ويدفعهم للثورة والتحرر ابتغاء للتقدم. في القاهرة وُضع السم للكواكبي في طعامه، وكانت وفاته في سنة 1902.


تتركز أعمال الكواكبي الفكرية في:
1ـ الصحافة، حيث كتب المقالات والأبحاث الكثيرة في الكثير من الصحف العربية التي عاصرها.
2ـ كتبه أم القرى، وطبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد.

المراجع:
ـ محمد عمارة، (عبد الرحمن الكواكبي شهيد الحرية ومجدد الإسلام، دار الشروق، القاهرة ـ بيروت، الطبعة الثانية 1988).
ـ د. صالح زهر الدين (موسوعة رجالات من بلاد العرب، المركز العربي للأبحاث والتوثيق، بيروت، الطبعة الأولى 2001، ص(395ـ 400).
ـ عبد الرحمن الكواكبي (طبائع الاستبداد، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى 1984).
ـ محمد جمال الطحان (الأعمال الكاملة للكواكبي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى 1995).

المعلم
Admin
Admin

عدد المساهمات : 456
تاريخ التسجيل : 29/01/2008
العمر : 59

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mass-media.5forum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: المحاضرة السادسة

مُساهمة من طرف المعلم في 18/9/2013, 12:17 am


المعلم
Admin
Admin

عدد المساهمات : 456
تاريخ التسجيل : 29/01/2008
العمر : 59

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mass-media.5forum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: المحاضرة السادسة

مُساهمة من طرف المعلم في 18/9/2013, 12:43 am


المعلم
Admin
Admin

عدد المساهمات : 456
تاريخ التسجيل : 29/01/2008
العمر : 59

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mass-media.5forum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى