منتدى الصحافة والإعلام
أهلاً وسهلاً بك في منتدى الصحافة والإعلام

المحاضرة الرابعة

اذهب الى الأسفل

المحاضرة الرابعة

مُساهمة من طرف المعلم في 15/9/2013, 11:39 am

إسم الكتاب: تخليص الإبريز في تلخيص باريز
إسم المؤلف: رفاعة الطهطاوي
إسم الناشر: كلمات عربية للترجمة والنشر
تاريخ النشر: ٢٧/٤/٢٠١٣ -
عدد الصفحات: 327



[rtl]في عهد محمَّد علي باشا(1)، برز من مشايخ الأزهر الشيخ رفاعة الطهاطاوي، الذي تميَّز بميله للتطوير والحداثة، وشغفه بالعلم والمعرفة، وقد تجاوز حدود مجتمعه ليستقِ من التجارب العلمية والإنسانية والإجتماعية لفرنسا لاعتقاده بأنَّ إتاحة العلم لكلّ الناس، ذكوراً وإناثاً، أغنياء وفقراء، هو السبيل الوحيد للتقدَّم بالأمة، ولبناء الدولة القوية والعادلة. وقد بنى مشروعه على قاعدتين لا ثالث لهما – برأيه - : إستيراد الخبرات والعلوم من الخارج، وتوزيع الفرص داخل البلاد على أساس التكافؤ.

    وفي كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"،  ينقل الطهطاوي تجربته التي عاشها في فرنسا من خلال ترأسه البعثة التي أرسلها محمد علي باشا إلى باريس. وقد رصد الهوَّة الشاسعة بين الغرب والعالم الإسلامي على مستوى التقدّم والحضارة. وعليه فقد تحوَّل من البحث الفقهي، للبحث العلمي والإنساني والترجمة المنظَّمة.[/rtl]


[rtl]هذا الكتاب هو قراءة في أوَّل رحلة عربية إلى باريس في القرن التاسع عشر، عندما استفاقت أوروبا على نهضةٍ أطلقتها بعد أن انتظمت على طريق " فلسفة العقل"، فقد ودَّعت حروبها القومية الشَّرسة لتستقبل تطوّرها الحضاري الحثيث الذي خلقته رغم ما أحاط بها من ضجيج وفوضى.
   
أما على المقلب العربي، فقد كان العرب جزءاً لا يتجزأ من  الدولة العثمانية التي ما لبثت أن صارت في اواخر أيامها رجلاً مريضاً،  وأصبحت الإمبراطوريَّة العظمى هدفاً للغرب المتوثِّب لتقسيم التَّركة العثمانية المتهالكة.
   
لماذا كنا نائمين ولم نستيقظ إلا مشدوهين على أصوات أسلحة الحملة الفرنسية التي قادها نابوليون بونابارت؟ لماذا ارتكسنا بعد أن كنا أسياد العالم وأئمته؟ إذا كان العالم منشغلاً في تقديس العقل ولا شيء سواه، فماذا كنا نقدّس نحن؟ ما العمل للخروج من هذا الضعف إلى القوة؟ من التخلف نحو التقدم؟ وكيف نحافظ على هويّة التواجد داخل العصر؟
   
تلك هي القضية التي شغلت بال المتنوّرين في العالم العربي منذ مئتي سنة وحتى الآن، قضية أن نصبح أغنياء وأقوياء نزاحم الغرب ونؤثّر في مساره وبحضارته كما نتأثَّر به وبحضارتهس. لذلك وجب علينا أن نعرف أوَّلاً ما هم عليه وأي طريق سلكوها ليصبحوا على هذا المستوى من العلم والقوَّة والنفوذ والثروة.
    
رأى محمد علي باشا أنه لابدّ من إرسال بعثات إلى فرنسا لمعاينةة التطورات الحضارية وسيرورتها عن كثب  ومعرفة كيف نستطيع أن نكون أقوياء وأغنياء مثل الفرنسيين، وكان يرافق كل بعثة "إمام" كي لا يضلّ أحد من أفرادها عن دينه!
    يقول الطهطاوي أنه سنستخلص من باريز أموراً ذات أهمّيّة لكلّ الشّعوب والدول، وهي ذاتها التي جعلت باريز على هذا المستوى من التَقدّم والعظمة. أين يكمن الإبريز في باريس؟ وكيف نستخلصه؟ إنه ما نحتاجه لنستطيع البقاء داخل التاريخ وكي لا نبقى مطيّة ولقمة سائغةً ومطيَّة للمستعمر. قد أشار الشّيخ العطَّار على الطهطاوي بأن يدوّن في سفرته ما يصادفه من الأمور الغريبة والأشياء العجيبة ليكون نافعاً في كشف القناع عن محيّا هذه البقاع، ويقصد بها "باريس".
   
يُظهر الطهطاوي بكلّ انبهار وحياء تقديره وإجلاله لباريس بسبب كون هذه العلوم "البرَّانية" في أوج ثبوتها وشيوعها، مستحياً خجلاً متحسّراً على دياره – ديار الإسلاملخلوّها وافتقارها لهذه العلوم. وهو يقول بأنَّ الحقّ أحقّ أن يتّبع من صاحب الحقّ، فيحثّ ويجهر باستنصاح ديار الإسلام على سلوك طريق باريس ونشر العلوم والخبرات البرَّانية، ويقصد بها الخارجية، من علوم وصنائع وفنون والتي هي نفسها وراء التَّقدّم والتَّحضّر والرّقيّ في باريس.
   
في هذا الكتاب يقدّم الطهطاوي الإبريز الذي صنع عظمة باريز وبالتالي ما يصنع عظمة كل بلد من البلدان، وقد علم الطهطاوي بأنَّ الإسلام ليس مجرَّد طقوس درويشيّة شعبوية خالية من الرّوح والإيمان، بل هو عمل وعلم، لذلك فقد احترم باريس لحريّتها وحضارتها وروحها العلمية النقدية.
   
يقسَّم الطهطاوي الخلق إلى ثلاث مراتب على حسب بعدهم وقربهم عن الحالة المتمثّلة بعبادة الشّمس والقمر إلى حين عبادة الإله الواحد. المرتبة الأولى هي مرتبة الهَمَل المتوحشين، والمرتبة الثانية هي مرتبة البرابرة الخشنين، أما الثالثة فهي مرتبة أصحاب التمدّن والتّحضّر والتّمصّر مثل بلاد الشام ومصر واليمن حيث أنَّ هذه الأمم هي أرباب العمران والسياسات والعلوم والصناعات والشرائع والتجارات.
   
على أساس هذا التقسيم يرى أنَّ معيار الاختلاف والتفاوت بين الناس هو التقدم بالعلوم والصنائع أوالتخلف عنها. فمنهم من خلق ظروف التَّقدّم ومنهم من تقيّدَ بأصفاد الجهل. أما البلاد الإسلامية، فقد برعت في العلوم الشَّرعيّة والعمل بها، وفي العلوم العقلية، وأهملت العلوم الحكيمة بجملتها ويقصد بها الطهطاوي علوم الرياضيات والطبيعة والفيزياء والفلك وغيرها...
   
لذلك فإنها احتاجت إلى البلاد الغربية في كسب ما لا تعرفه وجلب ما تجهل صنعه، إلا أنَّ واقع الحال يفرض أنَّ ما يحمينا هو امتلاك ما يمتلكه العدوّ حتى نعيش مأموني الجانب. وقد حكم الفرنج بأنَّ علماء الإسلام إنما يعرفون شريعتهم ولسانهم، ولكن يعترفون لنا بأنا كنا أساتيذهم في سائر العلوم، وبقدمنا عليهم.
   
ولم يكن المسلمون روَّاد المدنية والرفاهية والتربية الزاهرة الزاهية إلا بسبب إعانة الخلفاء للعلماء وأرباب الفنون، أيّ أنَّ النّظام في العصر العباسي كان دائماً مرافقاً للعلماء والبحوث العلمية بغية التَّقدّم العلمي والإزدهار التّقني. واللافت في ذلك أن رجل الحكم والسّياسة هو رجل علم آنذاك يعين العلماء على بحوثهم بكلّ الدّعم والتمويل والترجمات واستقدام الكتب والمخطوطات وغير ذلك.
   
ومن هنا نفهم أن العلوم لا تنتشر في عصر إلا بإعانة صاحب الدولة لأهله؛ مثل الملك عبد الرحمن الناصر الذي أرسل إلى ملك قسطنطينة أن يبعث إليه رجلاً يتكلَّم باللسان اليوناني واللاتيني ليعلّم له عبيداً يكونون مترجمين عنده. وبعد هذا العزّ والجاه والدور الرّيادي الذي كان للمسلمين في عصر الأندلس، تشتَّتَ عزّ الخلفاء وانهدم ملكهم في حين قويت شوكة الإفرنج ببراعتهم وتدبيرهم، بل بعدلهم ومعرفتهم.
   
وهنا يسلّط الطهطاوي الضّوء على الإبريز الباريسي الحقيقي وهو العدل والمعرفة أيّ أنّ باريس لم تصبح على ما هي عليه لولا النظام السياسي العادل المتمثّل بدولة القانون والمؤسَّسات، بالإضافة إلى العلوم والمعارف البرانية، والتّبحّر في العلوم الحربية والتّنوّع والإختراع، لأنّه لا قوة خارج إطار العلم والمعرفة.
   
هكذا نرى أن الطَّهطاوي يلقي بالجهد الحثيث باتجاه التطور الحضاري على عاتق الوالي أو الحاكم أو على أيّ من يمثّل السلطة السياسية، لأنها هي التي تحدّد مسيرة واتجاه مسيرة الامّة إما لمصلحة التطوّر والتنوّر والإشراق، وإمّا لمصلحة التّخلّف والتقهقر والتفسّخ. لذلك كان من النباهة والإستنارة أن يسارع محمد علي باشا إلى تحسين بلاده عبر هذه البعثات فحتَّى لو كانت المعرفة والعلوم مصدرها من الإفرنج فلا بأس في ذلك ولا ضرر لأن "الحكمة ضالة المؤمن ...".
   
ولا يمكن أن يصل الإفرنج إلى هذه المرحلة من التَّقدّم لولا غاية براعتهم في العلوم الحكيمة من فلسفة وعلم الطبيعة وفيزياء ورياضيات وبيولوجيا وغيرها، وهذه العلوم لم يتمّ التَّقدّم فيها لولا حرية المعتقد واتباع الحق دون الرجال؛ ولم يقع الإفرنج أسرى الجهل مقيّدين بأصفاد التّعصّب والصّنميّة لأنهم أخذوا العلوم والحِكَم من مختلف المصادر ومن أينما تؤتى الحكمة، هم يستقونها، لذلك فاقبرأي الطهطاوي – حكماء باريز حكماء اليونان كارسطا طاليس وأبقراط وسقراط وأفلاطون وغيرهم.
   
ويرى الطهطاوي أن معظم أهل باريز أصحاب وجه بشوش في وجه الغرباء ولو اختلفوا عنهم في الدّين والمعتقد. وفي الواقع، إن أهل باريز ليس لهم من النصرانية سوى الإسم حيث لا ينتحل الباريزي دينه ولا غيرة له عليه، بل هو من الفرق المُحسنة والمقبّحة بالعقل. فبالجملة إنه يباح في بلادهم التّعبّد بسائر الأديان غير النصرانية.
   
ومن إبريز باريز البارز عندهم تراه عينك وتشهده ونحن نتغنَّى به ولا نطبّقه مسألة "النظافة"! حيث أنه يستحسن من طبائعهم حب النظافة الظاهرية حتى لو ظهر المركب السائح في البحر، فعندهم نظافة بلا إيمان ونحن عندنا إيمان بلا نظافة!
   
ويختصّ أهل باريز بانعدام الهوَّة بين الخاصَّة والعامَّة، فهم جميعاً دون استثناء يتميّزون بذكاء العقل ودقّة الفهم وهم جميعاً يدخلون مع غيرهم من العلماء في الأمور العميقة أي القضايا الميتافيزيقية، ويميلون إلى حبّ المعرفة لاسيّما السؤال عن أصل الشيء والإستدلال عليه خاصّةً وأنهم يكرهون التقليد وليسوا أسراء له، فالعوام منهم يعرفون القراءة والكتابة ويغوصون في العلوم العميقة على قدر حالهم.
   
ومن طباع الفرنساوية التَّطلّع والتَّولّع بسائر الأشياء الجديدة، وحب التغيير والتبديل في سائر الأمور، وخصوصاً في أمر الملبس فهم أهل الموضة. ومن طباعهم المهارة والخفّة لدرجة أنهم يسافرون ويتغربون كثيراً، ولو اقتضت مصلحة أوطانهم أن يمكثوا السّنين العديدة بعيدين عن بلادهم فهم يلقون أنفسهم بالمهالك حتى يعودوا على أوطانهم بالمصلحة والمنفعة والفائدة والعزة والقوة والعلم والثروة.
   
وكذلك من طبائعهم الغالبة وفاء الوعد وعدم الغدر وقلة الخيانة والصدق والإعتناء بالمروؤة الإنسانية. لكنه يرى في المقابل قلة عفاف كثير من نسائهم وعدم غيرة رجالهم، وهم يستدلون من امتناع المرأة عن تلبية من يسألها قضاء الوطر على كثرة تجربتها لا على عفافها!
   
يؤمن الفرنساوية بالسَّببية العلمية الطبيعية المطلقة حيث أنهم من أهل التحسين العقلي والتقبيح العقلي لأن قانون الطبيعة هو الحقيقة المطلقة والمعترف بهل لديهم، أما خوارق العادات والمعجزات والماورائيات فهي عندهم  مرفوضة وينكرونها. وعليه فإنه لا حاجة للدين بنظرهم فالعمران والفنّ والأدب والسياسة تسدّ مسدّ الأديان وتفعل فعل الأحكام الشرعية، لذلك نجد عندهم تعظيم وإجلال لعقول الحكماء والطبائعيين أكثر من عقول الأنبياء والمرسلين، وهذا ما يعدّه الطهطاوي من عقائدهم القبيحة لأنه ليس من الجائز عند المسلمين اعتبار أحد أذكى من الأنبياء.
   
ومن ثم تدلّ فنون تلك البلاد على اعتنائها بتحقيق سائر الأشياء ولو الدنئية وسواء ذلك في الذكور والإناث. حيث تجد عندهم فنون وعلوم "الطباخة"، حتى أن هناك مجلس علماء وشعراء لهذا المجال أي الطباخة.
ويصل الجدّ بهم إلى أن تجد عندهم قاموساً مرتباً على حروف المعجم في ألفاظ العلوم الإصطلاحية لما بلغته الفنون باللغة الفرنساوية من تقدّم وتفوّق. وليس ذلك حصراً على الرجال بل على النساء أيضاً اللواتي لديهنّ تآليف عظيمة وترجمات هامَّة بسبب أهمّيّة موقع المرأة في تلك البلاد لذلك فإنَّ بلادهم تعدُّ من البلاد التي استغلَّت طاقات شعبها بالكامل حتى النّساء ولم تحجم دورها ولم تحرم المجتمع من إنتاجاتها مثل ما هو واقع في مجتمعاتنا.
   
يتميز ملك فرنسا بأنه ليس مطلق التصرّف، فليس من أحدٍ فوق القانون، والملك بذلك لا يستمدّ ملكيّته وحكمه إلا من عمله وتطبيقه وفقاً لما هو مذكور قي القوانين التي يرضى بها أهل الدواوين. والملاحظ أن قوانين الفرنساويين ليست إلهية المصدر أي أنَّها قوانين وضعية وليست رسالات سماوية، وهي تسعى وراء راحة الفرد وقوّته وإحلال العدل في المجتمعات.
   
وهم يرجعون في قانونهم إلى ملكهم المسمَّى لويز الثامن عشر الذي ينصّ على أن العدل أساس العمران، فقد حكمت عقولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير بلادهم، وقد توصَّلوا في حكمتهم وفلسفتهم لهذه المقولات وتقيَّدت بها قيم العدل والقوة والحرية رغم عدم كونها قوله تعالى ولا قول رسوله، ومما ذكره أنه ليس من فرق بين صعاليك فقراء وجبابرة ملوك في تلك البلاد، والكلّ سواسية أمام القانون فلا يختلف أحدٌ عن الآخر في إجراء الأحكام والامتثال قدَّام الشريعة، فتقام الدعوى الشرعية وتنفذ الأحكام الناتجة عن تحقيق القضية على الملك والفقير سواءً. ومن الواضح، أن هذه المادة، وهي الأولى، لها تسلُّط عظيم على إقامة العدل وإسعاف المظلوم فلا ترَ أحداً عندهم يشكو ظلماً أبداً. وليست الحرّيّة عندهم في تجاوز القوانين بل الحرية عندهم مساوية للعدل، مطابقة للإنصاف، وهي عبارة عن إقامة التساوي في الأحكام والقوانين، بحيث لا يجور الحاكم على إنسان بل القوانين هي المحكمة والمعتبرة.
   
ورغم كل هذا التَّرقّي والتَّرَفّع الحضاري الأدبي الذي تدلّ عليه ممارسات المجتمع الفرنسي إلا انَّ أحكامهم القانونية ليست مستنبطة من الكتب السماوية، وإنما هي مأخوذة من قوانين أخر، غالبها سياسي؛ ولعلَّ ذلك أهمَّ ما فيها فهي رغم كونها غير إلهية المصدر، إلا أنها ليست سوى مجلبة للعدل والقوة للفرد.
   
ونظراً لعدم ارتباط فرنسا بطاعات أو شعائر، فإنهم يلجؤون بعد أشغالهم المعتادة إلى مختلف الأمور "الدنيوية" من اللهو واللعب وهم يتفننون بذلك تفنّناً عجيباً، فمن مجالس الملاهي عندهم المسرح الذي يمثل مدرسة تربوية لكونه مسرحاً تثقيفياً بامتياز. يرون باللعب سبيلاً للوصول لحقائق ذات أهمّيّة لأنهم عبر المسرح يقومون بتقليد سائر ما يكون في الحقيقة، وإنما بصورة هزلية.
   
كل ذلك، بالإضافة إلى كونهم أصحاب حكمة ودراية بحفظ أبدانهم فهم يمتازون بكثرة النوادي والحمامات والألعاب التي يخفّ بها البدن. وهم يمتازون بالغنى، لأنّ الغنى في بلادهم يأتي من التقدّم على صعيد العلم والمعرفة بسبب إستغلالهم لطاقات شعبهم في أيّ اتّجاه كانت، وهم أغنياء جداً حتى إنَّ المتوسّط منهم أغنى من تاجر عظيم من تجار القاهرة، ورغم ذلك فهم أميَل إلى الحرص منهم إلى الإنفاق.
   
ليست علاقة الفرنساويين بالدين وطيدة لعدم كونه من الضروريات عندهم، ولعلَّ السبب في ذلك أنهم يعتبرون أن القسوس ليسوا إلا أعداءً للأنوار والمعارف، وهم يصرون على أن يعلموا الحكمة ما وراء التعبدات والشعائر الدينية وإلا فإنهم لا يقدمون عليها. هكذا نرى أنهم لا يقبلون سوى ما يقول به العقل لأنَّهم أهل التَّحسين والتقبيح العقليّين.
   
ولعلَّ إصرارهم على معرفة الحكمة وراء كلّ شيء وفي كلّ شيء هو الذي جعل المعارف عندهم تمتاز وتفوق معارف البشرية كلّها.
   
وقد تميَّزَ أهل باريس بمعرفتهم ومعرفة حكمائهم لأغلب العلوم والفنون النَّظريّة، وكذلك هم أعلم ممن عداهم بأسرار الآلات المعروفة من قديم الزمان، والمخترعة له؛ وذلك هو بلاشكّ أقوى مُعين على الصّناعات. ورغم "الحشوات الضلالية" التي تمتاز بها علومهم الحكيمة، غير أنَّهم يموّهونها ويقوّونها حتى يظهر للإنسان صدقها وصحّتها، ولذلك ترى عندهم أهمّيّة الفرد الذي من أجله قد يحوّرون الأمور لكي يقتنع بها ويراها صحيحة.
   
إن الهدف من كتابة رفاعة الطهطاوي لهذا الكتاب هو حثّ الدّيار الإسلامية على الأخذ بأسباب التقدّم والتَّطوّر والقوة والحضارة التي أخذت بها باريز، هذه الأسباب هي التي تشكّل الإبريز الذي سينقل بلادنا من التَّخلّف نحو التقدّم، ومن الركود والجمود نحو الحركة والحياة.
   
فأنصع إبريز في باريز هو دولة القانون والمؤسسات التي تمثّل النظام السياسي العادل القائم على دعامتي "الحرية" و"المساواة". هذه المدينة البهيّة هي المثال الحيّ الناطق بالحكمة القائلة بأنَّ العقل هو أعدل الأشياء قسمةً بين الناس، حيث يكون الفرد في باريس سيد نفسه ولا أحد يسوده سوى ذلك العقل الذي يهديه دوماً إلى الحقّ والحكمة عندما يتحرَّرَ من قيود الجهل والتّعصّب الأعمى والتقديس الفارغ![/rtl]

[rtl] [/rtl]


[rtl]الهامش
1
محمَّد علي باشا، مؤسس مصر "الحديثة" ما بين عامي 1805 – 1848، ولقبه عزيز مصر، نهض بمصر عسكرياً وتعليمياً وصناعيا؟ً وزراعياً وتجارياً، تميَّزَ بالذّكاء، وحسن استغلال الظروف المحيطة، فاستمرَّ كلّ هذه الفترة بالحكم، رغم العادة العثمانية بعدم الإبقاء على الحاكم لأكثر من سنتين في الحكم![/rtl]

http://www.islammoasser.org/BookPage.aspx?id=1000

المعلم
Admin
Admin

عدد المساهمات : 456
تاريخ التسجيل : 29/01/2008
العمر : 59

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mass-media.5forum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى